التصعيد الإقليمي مستمر.. تهديد إيراني بحرب شاملة وتغيير قواعد الاشتباك بالمنطقة
دخلت الأزمة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، بعدما أعلنت طهران استعدادها لـ«حرب شاملة» وتغيير قواعد الاشتباك، في وقت لم تستبعد فيه واشنطن خيار إرسال قوات برية إلى الأراضي الإيرانية، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة قد تعيد رسم خريطة التوازنات في الشرق الأوسط.
التصريحات المتبادلة خلال الساعات الماضية تعكس انتقال المواجهة من مرحلة الردع المتبادل إلى مرحلة رفع سقف التهديدات، وسط تحذيرات دولية من اتساع رقعة الصراع، ودعوات لاحتواء الموقف قبل خروجه عن السيطرة.
طهران: جاهزون لحرب شاملة

وأكد المتحدث باسم هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، العقيد إيمان تاجيك، أن القوات المسلحة أصبحت «أكثر حزماً واستعداداً لشن حرب شاملة»، رداً على ما وصفه بـ«اعتداءات استهدفت مدنيين ومنشآت حيوية داخل البلاد».
وأوضح تاجيك أن إيران نفذت «موجة هجوم مركب واسع وكثيف» عبر مجموعات العمليات البحرية والجوفضائية التابعة لـالحرس الثوري الإيراني، استهدفت أهدافاً عسكرية أمريكية وإسرائيلية.
وبحسب البيان الإيراني، شملت الضربات مراكز استخباراتية ومستودعات دعم عسكري أمريكية في منطقة الخليج، إضافة إلى مجمعات صناعات عسكرية إسرائيلية في بئر السبع، وأكثر من 20 نقطة في تل أبيب والقدس الغربية والجليل، باستخدام مئات الصواريخ الباليستية وأكثر من 700 طائرة مسيّرة.
وأكد المتحدث أن العمليات سجلت «مستوى جديداً من الكثافة النارية خلال 48 ساعة»، متجاوزة ما جرى خلال «حرب الأيام الاثني عشر» السابقة، في إشارة إلى جولة التصعيد التي شهدتها المنطقة العام الماضي.
تغيير قواعد الاشتباك.. ماذا يعني؟
الحديث الإيراني عن «تغيير قواعد الاشتباك» يحمل دلالات استراتيجية مهمة. فالمقصود هنا هو الانتقال من سياسة الرد المحدود والمدروس إلى سياسة استهداف أوسع نطاقاً، قد تشمل مصالح عسكرية واقتصادية مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل في الإقليم.
هذا التوجه يعني عملياً أن طهران لم تعد تكتفي برد فعل متناسب مع الضربات، بل تسعى إلى فرض معادلة ردع جديدة تقوم على توسيع دائرة الأهداف المحتملة، سواء داخل إسرائيل أو في محيط القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج والعراق وسوريا.
ويأتي هذا التصعيد في ظل اتهامات إيرانية لواشنطن وتل أبيب باستهداف منشآت مدنية، بينها مستشفيات ومدارس ومبانٍ إعلامية، وهو ما تقول طهران إنه عزز «إرادة خوض حرب شاملة».
فيلق القدس ومحور المقاومة
بدوره، أعلن فيلق القدس التابع للحرس الثوري أن «إيران ومحور المقاومة أصبحا اليوم شجرة قوية راسخة»، مؤكداً مواصلة القتال وعدم التراجع أمام أي تهديد.
هذا الخطاب يعكس اعتماد طهران على شبكة تحالفاتها الإقليمية، التي تشمل فصائل مسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، كأداة ضغط إضافية في حال توسع المواجهة.
ويعني ذلك أن أي تصعيد مباشر بين إيران وإسرائيل قد يمتد سريعاً إلى جبهات أخرى، خصوصاً جنوب لبنان أو الساحة العراقية، ما يرفع مستوى المخاطر الأمنية على المنطقة بأسرها.
واشنطن: لا نستبعد القوات البرية
في المقابل، لم تستبعد الولايات المتحدة توسيع نطاق عملياتها. ففي تصريحات لصحيفة «نيويورك بوست»، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه «ليس خائفاً» من إرسال قوات برية إلى إيران إذا اقتضت الضرورة، مضيفاً: «لا أقول إننا سنفعل ذلك، لكن إذا كان ضرورياً فلن نتردد».
وفي مقابلة أخرى مع شبكة «سي إن إن»، أشار ترامب إلى أن «الموجة الكبيرة لم تحدث بعد»، في تلميح إلى احتمال تصعيد أكبر خلال الأيام المقبلة.
من جانبه، أكد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أن خيار إرسال قوات داخل إيران «غير مستبعد»، رغم أن العمليات الحالية تعتمد بشكل أساسي على الضربات الجوية.
هذه التصريحات تعكس رغبة أمريكية في إبقاء جميع الخيارات مطروحة، سواء لردع طهران أو لإجبارها على التراجع، لكنها في الوقت نفسه ترفع منسوب القلق بشأن انزلاق المواجهة إلى حرب تقليدية واسعة.
بين الردع والتصعيد.. حسابات معقدة
اللافت في المشهد الحالي أن الطرفين يرفعان سقف التهديدات، لكن دون إعلان رسمي لحرب شاملة. فإيران تتحدث عن تغيير قواعد الاشتباك، فيما تشير واشنطن إلى موجات قادمة من الضربات، ما يضع المنطقة في حالة «حرب غير معلنة» قابلة للتوسع في أي لحظة.
المخاطر لا تقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة، بل تمتد إلى أمن الطاقة والممرات البحرية، خاصة في الخليج العربي ومضيق هرمز، حيث تمر نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.
أي اضطراب في هذه الممرات قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، ويؤثر على الاقتصاد العالمي، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الهشة التي تشهدها العديد من الدول.
التصعيد الحالي يضع دول المنطقة أمام تحديات صعبة. فالدول الخليجية تخشى أن تتحول أراضيها أو مياهها إلى ساحات مواجهة غير مباشرة، بينما تواجه العراق وسوريا ولبنان احتمالات تصاعد التوتر نتيجة وجود فصائل مسلحة مرتبطة بطهران.
كما أن إسرائيل، التي تعلن أنها تستهدف منع تعاظم القدرات العسكرية الإيرانية، تجد نفسها أمام معادلة معقدة: توجيه ضربات قوية دون الانزلاق إلى حرب متعددة الجبهات قد تستنزف قدراتها.
هل تتسع الحرب؟
حتى الآن، تعتمد المواجهة على الضربات الجوية والصاروخية والهجمات بالطائرات المسيّرة، وهو نمط يسمح بالتصعيد التدريجي دون احتلال أراضٍ أو اشتباكات برية واسعة.
غير أن الحديث الأمريكي عن احتمال إرسال قوات برية، والتهديد الإيراني بحرب شاملة، يشيران إلى أن هامش الخطأ أصبح ضيقاً. فأي ضربة خاطئة، أو سقوط عدد كبير من الضحايا، قد يدفع أحد الطرفين إلى رد فعل يتجاوز الحسابات الحالية.
ويرى محللون أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار جولات التصعيد المحدودة، مع تبادل ضربات محسوبة، بهدف تحسين شروط التفاوض أو فرض معادلات ردع جديدة، دون الوصول إلى حرب شاملة طويلة الأمد.
وفي ظل هذا المشهد، تتزايد الدعوات الدولية لوقف التصعيد، مع تحركات دبلوماسية تقودها أطراف أوروبية وآسيوية لخفض التوتر. فالقوى الكبرى تدرك أن أي حرب مفتوحة بين إيران وإسرائيل، مع انخراط أمريكي مباشر، ستكون لها تداعيات خطيرة على الاستقرار العالمي.
كما أن استمرار المواجهة قد يعيد خلط أوراق التحالفات، ويدفع بعض الدول إلى إعادة تموضعها سياسياً وأمنياً، تحسباً لأي تغيرات مفاجئة في موازين القوى.
في المحصلة، يبدو أن المنطقة تقف عند مفترق طرق حاسم. إيران تعلن استعدادها لحرب شاملة وتغيير قواعد الاشتباك، والولايات المتحدة تلوّح بتصعيد أكبر وربما تدخل بري، فيما تبقى إسرائيل في قلب المواجهة.
الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد المسار: هل تتجه الأطراف إلى تصعيد مفتوح يجر المنطقة إلى صراع واسع، أم يتم احتواء التوتر عبر قنوات دبلوماسية تفرض هدنة مؤقتة؟
الإجابة لا تزال معلقة بين حسابات الردع ومخاطر الانفجار، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط يعيش واحدة من أكثر لحظاته توتراً منذ سنوات، وسط معادلة معقدة قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتوازنات الإقليمية إذا استمر التصعيد على هذا النحو.