مسار ترامب للتسوية.. أربع نهايات محتملة للحرب الروسية الأوكرانية بين الحسم والتجميد
مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الخامس، تعود الأسئلة الكبرى إلى الواجهة: هل اقتربت لحظة التسوية السياسية فعلاً؟ أم أن الصراع يتجه إلى جولة جديدة من الاستنزاف.
وبعد أربع سنوات من المواجهة المفتوحة التي بدأت في فبراير 2022، تبدو فرص البحث عن تسوية أكبر من أي وقت مضى، لكن الفجوة بين موسكو وكييف لا تزال عميقة، والضمانات المطروحة حتى الآن تبدو هشة وقابلة للاهتزاز عند أول اختبار.
المبادرة الأمريكية التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب أعادت تحريك المياه الراكدة، وفتحت قنوات تفاوض غير مباشرة بين موسكو وكييف برعاية واشنطن وعواصم أوروبية. غير أن السؤال الجوهري لم يعد فقط متى تنتهي الحرب، بل كيف ستنتهي، وبأي ثمن، ولصالح من؟
المبادرة الأميركية: ضغط قبل الحوافز
منذ طرح البيت الأبيض إطاراً عاماً للتسوية، بدا واضحاً أن المقاربة الأميركية تختلف عن المبادرات السابقة. فبدلاً من الاكتفاء بصياغات دبلوماسية عامة، لوّحت واشنطن بأدوات ضغط اقتصادية وسياسية في حال رفض أي طرف الانخراط الجدي في المفاوضات. هذه المقاربة القائمة على “العصا قبل الجزرة” هدفت إلى كسر الجمود الذي طبع المسارات السابقة.
التحرك الأميركي جاء في لحظة إنهاك متبادل. أوكرانيا، التي فقدت مساحات واسعة من أراضيها وتتعرض لضغط عسكري واقتصادي متواصل، باتت تبحث عن مخرج يوقف النزيف. في المقابل، تدرك موسكو أن ترجمة المكاسب الميدانية إلى اعتراف سياسي دولي هو التحدي الأكبر، خصوصاً في ظل استمرار العقوبات الغربية وتراجع عائدات الطاقة.
بالنسبة للكرملين بقيادة فلاديمير بوتين، فإن أي تسوية يجب أن تعكس “الوقائع الجديدة على الأرض”، بينما تصر كييف بقيادة فولوديمير زيلينسكي على أن السيادة ووحدة الأراضي مبدأ غير قابل للمساومة الكاملة.
توازن الإرهاق: لا نصر كاملاً لأي طرف
أحد التحولات الجوهرية في الخطاب الدولي يتمثل في تراجع فكرة “النصر الحاسم”. فبعد سنوات من القتال، باتت معظم التقديرات الواقعية تشير إلى صعوبة تحقيق انتصار كامل لأي طرف.
روسيا حققت تقدماً ميدانياً في بعض الجبهات، لكنها لم تنجح في تحقيق هدفها الاستراتيجي الأوسع المتمثل في إخضاع الدولة الأوكرانية أو تغيير نظامها السياسي. في المقابل، لم تتمكن أوكرانيا من استعادة جميع الأراضي التي خسرتها، رغم الدعم العسكري الغربي الكبير.
هذا التوازن السلبي، أو “توازن الإرهاق”، يدفع باتجاه تسويات وسطية لا ترضي بالكامل أياً من الطرفين، لكنها قد تمنع انهياراً أوسع في البنية الأمنية الأوروبية.
السيناريو الأول: استعادة أوكرانيا لجميع أراضيها
السيناريو الأكثر طموحاً في الرؤية الأوكرانية يتمثل في استعادة جميع الأراضي، بما في ذلك شبه جزيرة القرم ومناطق دونيتسك ولوغانسك. يتحقق هذا الاحتمال في حال تصاعد الدعم العسكري الغربي بشكل نوعي، أو تعرض روسيا لهزة داخلية سياسية أو اقتصادية كبرى.
غير أن هذا السيناريو يواجه عقبات كبيرة. فروسيا تعتبر القرم جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، وأي تراجع هناك يحمل كلفة سياسية داخلية باهظة. كما أن الإرهاق الغربي وتباين أولويات الدول الأوروبية يقللان من احتمالات تصعيد طويل الأمد بهدف الحسم العسكري الكامل.
السيناريو الثاني: صراع مجمّد بلا سلام رسمي
يقوم هذا السيناريو على وقف إطلاق نار فعلي دون توقيع معاهدة سلام نهائية. يتحول خط الجبهة إلى حدود أمر واقع، مع استمرار التوترات والانتهاكات المتقطعة.
يشبه هذا النموذج حالات نزاع سابقة في الفضاء السوفياتي السابق، حيث يُجمّد الصراع من دون حل جذري. بالنسبة لروسيا، قد يوفر ذلك مخرجاً يحفظ ماء الوجه. أما أوكرانيا، فستبقى أمام تهديد دائم، مع صعوبة جذب استثمارات كبرى أو بناء استقرار طويل الأمد في ظل غياب تسوية شاملة.
أوروبياً، يعني الصراع المجمّد استمرار حالة الاستنفار العسكري، وارتفاع الإنفاق الدفاعي، وتعزيز الوجود الأطلسي في شرق القارة.
السيناريو الثالث: تسوية بتنازلات وضمانات أمنية
السيناريو الأكثر تداولاً دبلوماسياً يتمثل في اتفاق سياسي تتنازل فيه كييف عن أجزاء من الأراضي مقابل ضمانات أمنية طويلة الأمد، ودعم اقتصادي لإعادة الإعمار، ومسار واضح نحو الاندماج الأوروبي.
هنا يبرز دور الاتحاد الأوروبي في تقديم حزمة دعم واسعة تدمج أوكرانيا تدريجياً في السوق الأوروبية، حتى لو بقيت خارج عضوية حلف شمال الأطلسي.
هذا السيناريو يتطلب آليات رقابة صارمة، وربما نشر قوات حفظ سلام، إضافة إلى ترتيبات خاصة بالمناطق المتنازع عليها. لكنه يصطدم بعقبتين أساسيتين: المزاج الشعبي الأوكراني الرافض للتنازل الرسمي عن الأراضي، والمطالبة الروسية باعتراف قانوني واضح بالتغييرات الإقليمية.
السيناريو الرابع: استمرار حرب الاستنزاف
يبقى الاحتمال الأسوأ هو استمرار الحرب بوتيرة متفاوتة لسنوات إضافية. في هذا المسار، لا يتحقق اختراق تفاوضي، ولا يحدث انهيار حاسم لأي طرف، فتتواصل العمليات العسكرية المحدودة والهجمات المتبادلة.
هذا السيناريو يعني مزيداً من الخسائر البشرية، واستنزاف الموارد، وتعميق الانقسام الجيوسياسي بين روسيا والغرب. كما يعزز سباق التسلح الأوروبي، ويكرّس تحولات استراتيجية طويلة الأمد في بنية الأمن القاري.
الضمانات الأمنية: العقدة الأوروبية
تشدد العواصم الأوروبية، وعلى رأسها باريس وبرلين، على ضرورة توفير ضمانات أمنية قوية لأوكرانيا. الهدف المعلن هو منع تكرار سيناريوهات سابقة انهارت فيها الاتفاقات بسبب ضعف آليات التنفيذ.
غير أن توفير ضمانات فعلية يطرح أسئلة معقدة: هل ستكون عبر التزامات دفاعية مباشرة؟ أم عبر تسليح طويل الأمد؟ أم عبر نشر قوات متعددة الجنسيات؟ كل خيار يحمل تبعات سياسية وعسكرية كبيرة، ويحتاج إلى توافق أوروبي – أميركي واسع.
بين الواقعية السياسية والطموح الوطني
المعضلة الأساسية تكمن في التوفيق بين الواقعية السياسية والطموح الوطني. القيادة الأوكرانية مطالبة بإقناع شعب أنهكته الحرب بأي تنازل محتمل، فيما يتعين على القيادة الروسية تقديم أي تسوية على أنها انتصار استراتيجي، لا تراجعاً.
في النهاية، قد لا تحمل التسوية المنتظرة مشهداً دراماتيكياً واضحاً للنصر أو الهزيمة، بل صيغة رمادية تُبقي كل طرف قادراً على تسويقها داخلياً. وبين هذه الحسابات المتشابكة، يبقى ملايين الأوكرانيين والروس والأوروبيين مترقبين لحظة توقف المدافع، حتى وإن لم تتوقف بالكامل أصوات التوتر السياسي.
الحرب التي بدأت باعتبارها مواجهة خاطفة تحولت إلى اختبار طويل لإرادة الأطراف وقدرتها على التحمل. أما نهايتها، فستكون على الأرجح تسوية ناقصة، لا ترضي الجميع، لكنها قد تكون الخيار الأقل كلفة في ميزان التاريخ.