مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

استقالات الكونغرس تمهد لمعركة التجديد النصفي.. تغييرات واسعة تعيد رسم الخريطة بواشنطن

نشر
الأمصار

تشهد الساحة السياسية في الولايات المتحدة تطورات لافتة قبل أشهر قليلة من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر المقبل، في ظل موجة غير مسبوقة من الاستقالات وإعلانات التقاعد والترشح لمناصب أخرى داخل مجلسي الشيوخ والنواب، وهي تحركات ترسم ملامح مرحلة سياسية جديدة قد تعيد تشكيل موازين القوى في واشنطن.

ووفق تقارير إعلامية أمريكية، فإن الدورة الحالية من الكونغرس الأمريكي تسجل أرقامًا قياسية في عدد الأعضاء الذين قرروا عدم الترشح مجددًا لمقاعدهم، سواء بسبب التقاعد النهائي من العمل العام أو السعي لمناصب تنفيذية وتشريعية أخرى، وهو ما يفتح الباب أمام دخول وجوه جديدة إلى المؤسسة التشريعية الأهم في البلاد.

أرقام لافتة وتحولات مبكرة

تشير البيانات المتداولة إلى أن عدد أعضاء الكونغرس الذين أعلنوا مغادرتهم حتى الآن بلغ نحو 68 عضوًا من مجلسي الشيوخ والنواب، وهو رقم يتجاوز ما تم تسجيله خلال الفترة نفسها من الدورات الأربع الماضية، ويعكس هذا الرقم حجم التحول الجاري داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية.

ومن بين هؤلاء، قرر 31 عضوًا خوض سباق انتخابي لمنصب آخر، سواء داخل الكونغرس أو خارجه، في مؤشر على تحولات في الطموحات السياسية ورغبة البعض في الانتقال إلى أدوار جديدة تمنحهم نفوذًا أوسع أو تأثيرًا مباشرًا في دوائرهم الانتخابية.

ويرى مراقبون أن هذه الموجة المبكرة من الانسحابات تعني أن نسبة كبيرة من المقاعد ستكون مفتوحة أمام مرشحين جدد، ما يزيد من حدة المنافسة ويجعل نتائج الانتخابات المقبلة أكثر صعوبة في التوقع.

دوافع الرحيل.. بين الإحباط والطموح

وتتعدد أسباب مغادرة الأعضاء لمقاعدهم، غير أن أحد أبرز الدوافع يتمثل في الشعور بتراجع الفاعلية التشريعية للكونغرس خلال السنوات الأخيرة، فقد أقر المجلس عددًا محدودًا من القوانين مقارنة بفترات سابقة، وهو ما يعزوه كثيرون إلى حالة الاستقطاب الحزبي الحاد والصراعات الداخلية داخل الحزبين الكبيرين.

ويضيق هامش الأغلبية في بعض الأحيان إلى حد يجعل تمرير أي تشريع يتطلب توافقات معقدة، وغالبًا ما تصطدم تلك التفاهمات بمعارضة من أجنحة متشددة داخل الحزب الواحد، ما يؤدي إلى تعطيل مشاريع القوانين أو إفراغها من مضمونها.

وفي هذا السياق، يرى بعض النواب أن العمل التشريعي لم يعد يوفر المساحة الكافية لتحقيق برامجهم السياسية، بينما يفضل آخرون خوض تجارب تنفيذية على مستوى الولايات، حيث تكون الصلاحيات أوسع والنتائج أكثر وضوحًا أمام الناخبين.

وشهدت الفترة الأخيرة إعلان عدد من أعضاء مجلس الشيوخ نيتهم الترشح لمنصب حاكم ولاياتهم، في توجه يعكس رغبة في الانتقال من العمل التشريعي إلى الإدارة التنفيذية. 

ويعتبر هذا المسار جذابًا للعديد من السياسيين الذين يرون في منصب الحاكم فرصة لتطبيق سياسات مباشرة في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية والاقتصاد المحلي.

كما يسعى بعض أعضاء مجلس النواب للانتقال إلى مجلس الشيوخ، في إطار طموحات سياسية تصاعدية، خاصة أن مجلس الشيوخ يمنح أعضاءه نفوذًا أوسع في ملفات السياسة الخارجية والتعيينات الفيدرالية.

وعلى صعيد مجلس الشيوخ، أعلن عدد من الأعضاء المخضرمين اعتزالهم العمل العام بشكل نهائي، وهو ما يمثل نهاية مسيرة سياسية امتدت لعقود. 

ويأتي ذلك في سياق نقاش أوسع داخل الحزبين بشأن تجديد الدماء وإفساح المجال أمام قيادات شابة.

وتكتسب هذه الاستقالات أهمية خاصة نظرًا لما تمثله من فقدان خبرات تشريعية طويلة، في وقت يواجه فيه الكونغرس تحديات داخلية وخارجية معقدة، بدءًا من الملفات الاقتصادية وصولًا إلى السياسة الخارجية والأمن القومي.

الجمهوريون في الواجهة

وتشير المعطيات إلى أن نسبة كبيرة من المغادرين تنتمي إلى الحزب الجمهوري، وهو نمط يتكرر في سنوات الانتخابات النصفية التي يكون فيها الحزب ذاته مسيطرًا على البيت الأبيض والكونغرس، إذ يميل الناخبون تاريخيًا إلى معاقبة حزب الرئيس في هذا النوع من الانتخابات.

وقد شهد الجمهوريون خلال الأعوام الأخيرة صراعات داخلية بارزة داخل مجلس النواب، كان من أبرزها الإطاحة برئيس المجلس في سابقة تاريخية، إلى جانب التوترات المتعلقة بإدارة الأغلبية الضيقة وتمرير التشريعات الكبرى.

ويرى محللون أن هذه الخلافات ربما دفعت بعض النواب إلى إعادة تقييم مستقبلهم السياسي، خاصة في ظل توقعات بإمكانية فقدان الأغلبية في إحدى الغرفتين خلال الانتخابات المقبلة.

ويلعب عامل العمر دورًا مهمًا في قرارات التقاعد، خصوصًا بين الديمقراطيين، حيث يبلغ متوسط أعمار بعض المتقاعدين مستويات مرتفعة نسبيًا. 

ويأتي ذلك في ظل نقاش داخلي داخل الحزب حول ضرورة تجديد القيادات وضخ دماء جديدة قادرة على مخاطبة الأجيال الشابة.

وقد برز هذا النقاش بوضوح خلال السنوات الماضية، مع تصاعد مطالبات بانتقال سلس للقيادة وإعادة ترتيب الصفوف استعدادًا للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

مقاعد «آمنة» لكنها مفتوحة

اللافت أن عددًا كبيرًا من الأعضاء المغادرين يمثلون دوائر انتخابية تُعد آمنة نسبيًا لأحزابهم، ما يعني أن قرار الرحيل لا يرتبط بالضرورة بالخوف من خسارة المقعد، بل ربما برغبة في تجنب العمل ضمن أقلية حال تغيرت موازين القوى، أو لأسباب شخصية ومهنية بحتة.

ويعني ذلك أن المنافسة داخل الحزب الواحد ستكون حاسمة في العديد من هذه الدوائر، حيث يسعى مرشحون جدد إلى الفوز بترشيحات أحزابهم في انتخابات تمهيدية قد تكون أكثر سخونة من المواجهة النهائية.

استقالات مبكرة وتعيينات بديلة

ولم تقتصر التغييرات على الإعلانات المسبقة بعدم الترشح، بل شهد المجلس أيضًا استقالات مبكرة خلال العام الماضي، ما استدعى تعيين بدلاء لشغل المقاعد الشاغرة حتى موعد الانتخابات. 

ويضيف هذا الأمر طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد السياسي، حيث يدخل بعض المعينين الجدد السباق الانتخابي بصفة شاغلي مقاعد مؤقتين.

تأثيرات محتملة على المشهد السياسي

يتوقع مراقبون أن تؤدي هذه الموجة من المغادرين إلى دخول عدد كبير من الوجوه الجديدة إلى الكونغرس، وهو ما قد يغير ديناميكيات العمل التشريعي والتحالفات داخل المجلسين. فالنواب الجدد غالبًا ما يحملون أولويات مختلفة ويعكسون توجهات أكثر ارتباطًا بقواعدهم الشعبية.

كما أن ارتفاع نسبة المقاعد المفتوحة يزيد من فرص حدوث تغيرات مفاجئة في توزيع القوى بين الحزبين، خاصة إذا جاءت النتائج في ظل أجواء اقتصادية أو سياسية مضطربة تؤثر على توجهات الناخبين.

وتمثل انتخابات التجديد النصفي اختبارًا مهمًا للحزبين الديمقراطي والجمهوري على حد سواء. فهي لا تحدد فقط شكل الأغلبية في الكونغرس، بل تؤثر أيضًا على قدرة الإدارة الأمريكية على تمرير أجندتها خلال العامين المتبقيين من الولاية الرئاسية.

وفي حال تغيرت موازين القوى، قد تدخل واشنطن مرحلة جديدة من التعايش السياسي الصعب بين مؤسسات يسيطر عليها حزبان مختلفان، ما ينعكس بدوره على ملفات حيوية مثل الضرائب، وأمن الحدود، والسياسة الخارجية، والإنفاق الحكومي.

وفي المحصلة، تعكس موجة الاستقالات والتقاعد والتحولات في الطموحات السياسية حالة إعادة تشكيل عميقة داخل الكونغرس الأمريكي. فهي ليست مجرد أرقام، بل مؤشر على تحولات في بنية القيادة، وطبيعة العمل التشريعي، والعلاقة بين القاعدة الحزبية وممثليها في واشنطن.

ومع اقتراب موعد الانتخابات، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت هذه التغييرات ستفضي إلى برلمان أكثر قدرة على التوافق، أم إلى مزيد من الاستقطاب والصدام السياسي.

وبينما يستعد الناخب الأمريكي للإدلاء بصوته في نوفمبر، يبدو أن انتخابات التجديد النصفي المقبلة لن تكون مجرد محطة دورية في التقويم السياسي، بل لحظة مفصلية قد تعيد رسم الخريطة الحزبية وتحدد اتجاه البوصلة في العاصمة الأمريكية خلال السنوات المقبلة.