مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

رسائل الاجتماع الأول لمجلس السلام في واشنطن.. تفاصيل

نشر
الأمصار

في خطوة تعكس تحولات لافتة في بنية التفاعلات الدولية، استضافت العاصمة الأمريكية واشنطن في 19 فبراير 2026 الاجتماع الأول لما يُعرف بـ«مجلس السلام»، برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبمشاركة وفود تمثل 27 دولة، من بينها دول حضرت على مستوى رؤساء دول وحكومات. 

 

الاجتماع الذي عُقد في معهد ترامب للسلام جاء بعد أقل من شهر على إعلان الميثاق التأسيسي للمجلس في منتدى منتدى دافوس بسويسرا في 22 يناير 2026، ليطرح تساؤلات عميقة حول أهداف المجلس، ودلالاته السياسية، ومستقبله في ظل النظام الدولي الراهن.

خلفية التأسيس وتوسيع الاختصاصات

تشكَّل مجلس السلام في سبتمبر 2025 في أعقاب طرح ترامب مبادرة من 20 نقطة لإدارة المرحلة الانتقالية في قطاع غزة، على خلفية الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر 2023. غير أن نطاق عمل المجلس سرعان ما توسع، وفق الميثاق التأسيسي، ليتجاوز تسوية النزاع في غزة إلى معالجة النزاعات الدولية الأخرى، والسعي إلى “إحلال السلام العالمي”، مع التأكيد على احترام السيادة الوطنية للدول.

هذا التوسع في الاختصاصات يضع المجلس في موقع موازٍ، وربما منافس، للأمم المتحدة، خصوصًا في ما يتعلق بإدارة الأزمات والنزاعات المسلحة. ورغم تأكيد ترامب في أكثر من مناسبة أن المجلس سيعمل “بالتنسيق” مع المنظمة الدولية، فإن طبيعة المهام المعلنة تعكس توجهاً لإعادة تعريف أدوات إدارة النظام الدولي خارج الأطر التقليدية التي تأسست عقب الحرب العالمية الثانية.

تمثيل دولي ورسائل متعددة

شهد الاجتماع مشاركة رؤساء دول، من بينهم رئيس الأرجنتين خافيير ميلي، والرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو، والرئيس الأوزبكي شوكت ميرزيوييف، إلى جانب رؤساء حكومات ووزراء خارجية من دول آسيوية وأوروبية، فضلاً عن ممثلين للاتحاد الأوروبي ومنظمات دولية. كما حضرت دول مثل كوريا الجنوبية واليابان بصفة مراقبين.

هذا الحضور المتنوع منح الاجتماع بعداً دولياً يتجاوز كونه مبادرة أمريكية أحادية، وأرسل إشارات إلى استعداد عدد من الدول للتفاعل مع صيغة جديدة لإدارة النزاعات، في وقت يشهد فيه النظام الدولي حالة سيولة وإعادة تشكل.

رسالة للداخل الأمريكي

يحمل انعقاد الاجتماع في واشنطن رسالة أساسية للداخل الأمريكي. فترامب، الذي يستعد لخوض انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر 2026، يسعى إلى تعزيز صورة قيادته القادرة على “صناعة السلام” وحماية المصالح الأمريكية في آن واحد، بما يتماشى مع شعاره “أمريكا أولاً”.

ويأتي ذلك في ظل انتقادات داخلية متصاعدة لسياسات الإدارة، سواء في الملفات الاقتصادية أو الخارجية. 

ومن خلال إبراز دوره كوسيط قادر على جمع أطراف متنازعة، يسعى ترامب إلى ترسيخ انطباع لدى قاعدته الانتخابية بأنه يمتلك أدوات التأثير الدولي، وأن سياساته الخارجية ليست عشوائية بل تعكس رؤية استراتيجية لإعادة هندسة الدور الأمريكي عالمياً.

صانع للسلام أم باحث عن زعامة رمزية؟

في خطابه السياسي، يحرص ترامب على التأكيد أنه نجح في تسوية عدد من النزاعات الدولية التي عجزت الأمم المتحدة عن حلها، وهو ما يعزز صورته كقائد “غير تقليدي” قادر على تحقيق اختراقات دبلوماسية. ويأتي مجلس السلام في هذا السياق كأداة مؤسسية تمنح هذا الخطاب إطاراً عملياً.

غير أن مراقبين يرون أن المجلس يمثل أيضاً محاولة لتكريس زعامة أمريكية جديدة في إدارة الأزمات، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، عبر ربط ملف إعادة إعمار غزة بآلية تقودها واشنطن. فقد أعلن ترامب قبيل الاجتماع عن تعهدات تتجاوز 5 مليارات دولار لدعم الاستقرار وإعادة الإعمار في القطاع، إضافة إلى تخصيص آلاف الأفراد لقوة استقرار دولية.

دعم الأحادية القطبية في مواجهة التحولات

يعكس تأسيس المجلس مسعى أمريكياً للحفاظ على عناصر الهيمنة في نظام دولي يتجه نحو التعددية. فصعود قوى مثل الصين وروسيا والهند، وتزايد الدعوات لإصلاح النظام الدولي، كلها عوامل تدفع واشنطن إلى البحث عن صيغ جديدة تضمن استمرار تأثيرها.

من هذا المنظور، يمكن قراءة مجلس السلام كأداة لإعادة إنتاج القيادة الأمريكية، ولكن بصيغة مرنة لا تعتمد حصراً على المؤسسات التقليدية. فالاجتماع التأسيسي في دافوس، ثم الاجتماع الأول في واشنطن، يعكسان رغبة في بناء تحالفات مرنة حول قضايا محددة، بدلاً من الالتزام الصارم بالأطر البيروقراطية المعقدة للأمم المتحدة.

أفول دور الأمم المتحدة؟

تزامن إنشاء المجلس مع سلسلة انسحابات أمريكية من منظمات دولية، سواء في الولاية الأولى لترامب أو بعد عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025. وقد سبق لترامب أن انتقد الأمم المتحدة علناً، واصفاً إياها بأنها غير فعالة، ومشيراً إلى الحاجة إلى “منظمة سلام أكثر مرونة”.

ورغم أن قرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر في نوفمبر 2025 أذن بإنشاء قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار في غزة، ورحب بخطة ترامب ذات العشرين نقطة، فإن إنشاء مجلس موازٍ يثير تساؤلات حول مستقبل التنسيق بين المؤسستين، وما إذا كان المجلس سيصبح بديلاً عملياً عن بعض أدوار الأمم المتحدة في مناطق النزاع.

إعادة إعمار غزة كنقطة اختبار

تشكل إعادة إعمار غزة الاختبار الأول لمدى فاعلية المجلس. فنجاحه في حشد التمويل، وضمان الأمن عبر قوة الاستقرار الدولية، وتنسيق الجهود الإنسانية، سيمنحه شرعية عملية ويعزز مكانته كفاعل مؤثر في إدارة ما بعد النزاعات.

أما في حال تعثر الجهود، سواء بسبب تعقيدات ميدانية أو خلافات سياسية بين الأطراف، فقد يتحول المجلس إلى منصة رمزية تفتقر إلى أدوات التنفيذ الفعلي، ما يضعف فرص تمدد دوره إلى نزاعات أخرى.

نظام دولي قيد التشكل

في المحصلة، يعكس الاجتماع الأول لمجلس السلام لحظة مفصلية في مسار إعادة تشكيل النظام الدولي. 

فبينما تسعى بعض الدول، خاصة في الجنوب العالمي، إلى نظام أكثر عدلاً وتمثيلاً، تحاول الولايات المتحدة عبر هذه المبادرة الحفاظ على موقعها القيادي، ولكن بأدوات جديدة.

يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان مجلس السلام سيشكل بالفعل نواة لنمط مختلف من إدارة الأزمات الدولية، أم أنه سيظل مرتبطاً بشخص الرئيس الأمريكي ومشروعه السياسي. المؤكد أن اجتماع واشنطن لم يكن مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل خطوة تحمل رسائل عميقة بشأن اتجاهات القوة، وطبيعة القيادة، ومستقبل مؤسسات الحوكمة العالمية في عالم يتغير بسرعة.