بـ5 تحصينات.. كيف تستعد إيران لمواجهة الهجمة الأمريكية المحتملة؟
في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، تتخذ طهران خطوات متسارعة لتعزيز استعداداتها الدفاعية، وسط تحذيرات أمريكية بإمكانية توجيه ضربات عسكرية محدودة على الأراضي الإيرانية.
وتأتي هذه الإجراءات في وقت تتواصل فيه المفاوضات النووية غير المباشرة في جنيف، والتي شهدت آخر جولة يوم الثلاثاء الماضي وانتهت دون التوصل إلى اتفاق ملموس، وفق ما ذكرته مصادر دبلوماسية مطلعة.
أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن المحادثات أسفرت عن اتفاق على مجموعة "مبادئ توجيهية"، لكن المسؤول الأمريكي نائب الرئيس جي دي فانس صرح بأن الجانب الإيراني لم يعترف بـ"الخطوط الحمراء" التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مما يوضح استمرار التباين بين الطرفين حول ملفات الأمن النووي والصاروخي.

وفي هذا السياق، أبلغت القيادة الأمريكية البيت الأبيض بأن الجيش الأمريكي قد يكون جاهزًا للقيام بعملية عسكرية بحلول نهاية الأسبوع، بعد تعزيزات جوية وبحرية واسعة في منطقة الشرق الأوسط خلال الأيام الماضية، وفق تقرير لشبكة سي إن إن.
إصلاح المنشآت العسكرية الإيرانية
بعد الضربات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت منشآت نووية وصاروخية إيرانية في يونيو/حزيران من العام الماضي، شرعت إيران في إصلاح وتطوير مواقعها المتضررة، بالإضافة إلى إخفاء أنشطتها النووية الحساسة.
وركزت طهران على إعادة بناء القواعد الجوية، ومنصات إطلاق الصواريخ، وإصلاح مناطق الدعم اللوجستي، مع تعزيز البنية التحتية الدفاعية ضد أي هجمات مستقبلية.

تحليل صور الأقمار الصناعية أظهر إعادة ترميم ثلاث منشآت صاروخية من أصل 12 في قاعدة "الإمام علي" في خرم آباد، إيران، بينما يجري العمل على ثلاث منشآت أخرى.
كما شهدت قاعدة تبريز الجوية في شمال غرب البلاد ترميم المدرجات والممرات المرتبطة بصواريخ باليستية متوسطة المدى.
وفي قاعدة همدان الجوية غرب إيران، تم ردم الحفر الناتجة عن القصف، وتجديد ملاجئ الطائرات، بالإضافة إلى إعادة فتح بعض الأنفاق التي دمرت جزئيًا خلال الغارات.
كما أعادت إيران بسرعة بناء أكبر منشأة لإنتاج صواريخ الوقود الصلب في شاهرود، إيران، وهي تقنية تسهّل النشر السريع للصواريخ بعيدة المدى، ما يعزز قدراتها الدفاعية بشكل ملحوظ، بحسب تحليل الخبير سام لير في مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار النووي.

تحصين المنشآت النووية
في نفس الوقت، تواصل إيران تعزيز تحصين منشآتها النووية الحساسة. وأظهرت صور الأقمار الصناعية التي حللها معهد العلوم والأمن الدولي (ISIS) استمرار عمليات تغطية المداخل الرئيسية للأنفاق تحت جبل بيكاكس قرب نطنز، مع صب خرسانة جديدة وزيادة طبقات التربة حول المواقع، ما يمنحها حماية إضافية ضد الهجمات الجوية المحتملة.
وفي منشأة نووية أخرى تُعرف باسم "طالقان 2" في بارشين العسكري جنوب شرق طهران، تم الانتهاء من بناء تابوت خرساني حول الموقع وتغطيته بالتراب، ليصبح الموقع عمليًا "غير قابل للتمييز" ويصعب استهدافه، وفق تحليلات المعهد.
كما أعيد ترميم منشآت مدمرة في مجمع 7 تير الصناعي قرب أصفهان، المرتبط بإنتاج أجهزة الطرد المركزي، وهو الموقع الذي خضع لعقوبات أممية في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
إعادة تشكيل البنية الإدارية والدفاعية
بعد الضربات الإسرائيلية، ظهرت مؤشرات على تحول جزء من سلطة القرار في إيران من المرشد علي خامنئي إلى حكام المحافظات خلال فترات القصف المكثف، ما دفع طهران إلى تعزيز سلطات المجلس الأعلى للأمن القومي وإنشاء مجلس دفاع جديد لإدارة الدولة في أوقات الحرب.
تم تعيين علي شمخاني، الذي نجا من محاولة اغتيال سابقة، أمينًا لمجلس الدفاع بهدف تعزيز الاستعدادات الدفاعية، ووضع آليات لمواجهة التهديدات المحتملة، وهو ما يراه محللون مؤشرًا على استعداد إيران لاحتمال هجوم أمريكي يستهدف القيادة العليا للبلاد.
قمع المعارضة الداخلية
سبقت الهجمات الإسرائيلية في يونيو/حزيران عملية اختراق متقدمة نفذها جهاز الموساد الإسرائيلي، ما أدى إلى زيادة حالة القلق لدى السلطات الإيرانية. وفي مواجهة مخاطر الحرب وتغير النظام، كثفت إيران حملتها ضد المعارضة الداخلية، مع قمع احتجاجات شعبية، ما أسفر عن مقتل المئات واعتقال الآلاف، وفق تقارير وسائل إعلام إيرانية، مع اتهام المحتجين بالتجسس لصالح إسرائيل.

مناورات عسكرية بحرية
في وقت تواصلت فيه المفاوضات غير المباشرة في جنيف، أطلقت إيران مناورات بحرية في الخليج، بما في ذلك إغلاق أجزاء من مضيق هرمز لساعات لإجراء تدريبات، وهو ممر حيوي يمر عبره نحو خُمس إنتاج النفط العالمي.
كما أجرى الحرس الثوري الإيراني مناورات بحرية مشتركة مع روسيا في خليج عُمان والمحيط الهندي الشمالي، تضمنت تدريبات على "استعادة سفينة مختطفة"، في رسالة واضحة للولايات المتحدة بأن أي مواجهة عسكرية ستكون مكلفة.
في الوقت ذاته، نشرت الولايات المتحدة الأمريكية حاملتي طائرات في المنطقة، وأسقطت طائرة مسيرة إيرانية اقتربت من إحدى الحاملات بشكل مهدد، كما اقترب زورقان تابعان للحرس الثوري من ناقلة أمريكية في مضيق هرمز، في مؤشر على مستوى التصعيد والتوتر البحري المتبادل.
موقف إيران الرسمي
في رسالة رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أكدت إيران أنها ستعتبر أي قواعد ومنشآت وأصول للقوة المعادية في المنطقة أهدافًا مشروعة في حال تعرضت لعدوان، مشددة على أنها لا ترغب في الحرب لكنها مستعدة للرد بحزم.
وأشار المسؤولون الأمريكيون إلى أن الرئيس دونالد ترامب سيحدد خطواته المقبلة خلال 10 أيام إذا لم تتوصل إيران إلى اتفاق نووي، في وقت يدرس توجيه مجموعة ثانية من الضربات، ما يعزز التوتر ويضع المنطقة على شفا مواجهة محتملة.
تحذيرات إسرائيلية
في مقابلة خلال حفل تخرج ضباط جدد، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إعادة إعمار قطاع غزة مرتبطة أولًا بنزع سلاح حركة حماس، مشددًا على أن إسرائيل ستضمن تفوقها العسكري في أي مواجهة. وأضاف نتنياهو أن أي هجوم إيراني على إسرائيل سيواجه برد لا يمكن لإيران تصوره، في موقف يتماشى مع تحذيرات واشنطن بشأن إيران.
بهذه الخطوات المتسارعة على المستويات العسكرية والسياسية والدبلوماسية، تسعى إيران لإظهار قوتها الاستراتيجية وقدرتها على الرد على أي تهديد خارجي، في حين يظل البيت الأبيض محل متابعة دقيقة لمجريات الأحداث في المنطقة، وسط توقعات بتصعيد محتمل في الأسابيع المقبلة.