من الدمار إلى الملاعب.. «الفيفا» و«مجلس السلام» يفتحان بوابة الأمل في غزة
في خطوة تمزج بين الرياضة والسياسة، أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم عن مبادرة لدعم إعادة بناء البنية التحتية لكرة القدم في قطاع غزة، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية يقودها ما يُعرف بـ«مجلس السلام» برعاية أمريكية.
المبادرة، التي كُشف عنها في واشنطن، تضع كرة القدم في قلب جهود التعافي لقطاع أنهكته الحرب، وتطرح تساؤلات حول قدرة الرياضة على لعب دور يتجاوز المستطيل الأخضر.
إعلان من واشنطن.. 75 مليون دولار لإحياء اللعبة
خلال الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن «فيفا» سيساهم في جمع 75 مليون دولار لدعم مشاريع رياضية في غزة، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن حزمة أوسع لإعادة الإعمار وتحفيز التعافي المجتمعي.
وقال ترامب إن المشاريع المرتقبة ستشمل إنشاء ملاعب جديدة واستقدام فعاليات كروية كبرى، معتبرًا أن الرياضة يمكن أن تكون «أداة أمل» في مرحلة ما بعد النزاع.
كما ألمح إلى إمكانية زيارة القطاع مستقبلًا برفقة رئيس «فيفا»، في إشارة إلى رمزية الحدث سياسيًا وإعلاميًا.
تفاصيل الخطة.. أكاديمية وطنية وملعب يتسع لـ20 ألف متفرج
في بيان لاحق، أوضح «فيفا» برئاسة جياني إنفانتينو أن المبادرة تتضمن إنشاء أكاديمية متخصصة لكرة القدم، وبناء ملعب وطني جديد يتسع لنحو 20 ألف متفرج، إضافة إلى عشرات الملاعب الفرعية ومراكز التدريب.

البيان لم يحدد رقمًا ماليًا دقيقًا، لكنه أشار إلى أن التمويل سيُجمع من «قادة ومؤسسات دولية»، ضمن شراكة وُصفت بأنها «تاريخية» لتعزيز الاستثمار في كرة القدم كجزء من جهود التعافي في مناطق ما بعد النزاع.
ويرى مراقبون أن إنشاء أكاديمية متخصصة قد يفتح الباب أمام جيل جديد من اللاعبين الفلسطينيين، ويمنحهم فرصًا للتدريب الاحترافي والمشاركة في بطولات إقليمية ودولية، ما يعيد إدماج غزة في الخريطة الكروية العالمية.
كرة القدم كأداة دبلوماسية.. ماذا يعني ذلك؟
ليست هذه المرة الأولى التي تُستخدم فيها الرياضة كجسر دبلوماسي، تاريخيًا، لعبت المنافسات الرياضية دورًا في تخفيف التوترات بين دول متنازعة، فيما عُرف بـ«الدبلوماسية الناعمة».
في الحالة الغزية، تبدو كرة القدم وسيلة لخلق مساحات مشتركة بين المجتمعات، وإعادة الحياة إلى مرافق دُمّرت بفعل الحرب، مع ما يحمله ذلك من رسائل سياسية حول الاستقرار وإعادة البناء.
ويشير خبراء إلى أن الملاعب ليست مجرد منشآت رياضية، بل فضاءات اجتماعية تتيح للشباب التنفيس عن الضغوط النفسية، وتعزز روح الانتماء، وتوفر بدائل إيجابية في بيئات ما بعد الصراع.
«مجلس السلام».. إطار سياسي لإعادة الإعمار
تزامن الإعلان مع تدشين «مجلس السلام»، وهو كيان يضم حلفاء مقربين من الإدارة الأمريكية، ويهدف إلى متابعة جهود تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة إعمار غزة، بالتعاون مع أطراف إقليمية بينها مصر وقطر.

وتقول واشنطن إن المرحلة الحالية تركز على تثبيت الاستقرار، وإطلاق مشاريع تنموية، من بينها المبادرات الرياضية، باعتبارها جزءًا من رؤية أوسع لإعادة دمج القطاع في محيطه الإقليمي والدولي.
ويرى محللون أن إدراج «فيفا» ضمن هذه الجهود يمنح المبادرة بعدًا دوليًا، ويعزز فرص جذب تمويل إضافي، خاصة مع الشعبية الواسعة لكرة القدم عالميًا.
بين الرمزية والواقع.. تحديات التنفيذ
رغم الطابع الإيجابي للمبادرة، تبرز تحديات عملية أمام تنفيذها. فإعادة بناء الملاعب تتطلب بيئة آمنة ومستقرة، إضافة إلى بنية تحتية داعمة من طرق وكهرباء ومياه.
كما أن استقطاب نجوم عالميين لإحياء فعاليات رياضية في غزة سيعتمد على مدى تحسن الأوضاع الأمنية والسياسية. ومع ذلك، يرى مؤيدو المشروع أن البدء في التخطيط يبعث برسالة أمل، حتى وإن استغرق التنفيذ وقتًا.
أمل جديد للشباب.. كرة تتدحرج نحو المستقبل
في مجتمع يشكل الشباب نسبة كبيرة من سكانه، تمثل كرة القدم أكثر من مجرد لعبة. هي مساحة للحلم، وطريق محتمل للاحتراف، وأحيانًا وسيلة للهروب من واقع صعب.
إنشاء أكاديمية وطنية قد يوفر برامج تدريب منهجية، ويمنح المواهب المحلية فرصة للاحتكاك بخبرات دولية. كما أن بناء ملعب وطني حديث سيعيد إحياء البطولات المحلية، ويمنح الجماهير متنفسًا طال انتظاره.
الرياضة بعد الحرب.. رسالة إلى العالم
مبادرة «فيفا» و«مجلس السلام» تحمل في طياتها رسالة مفادها أن إعادة الإعمار لا تقتصر على الحجر والبنية التحتية، بل تشمل أيضًا إعادة بناء الروح الجماعية.
ففي غزة، حيث تركت الحرب آثارًا عميقة، قد تكون كرة القدم أداة لإعادة نسج النسيج الاجتماعي، وتعزيز الأمل في مستقبل مختلف.

وبينما تبقى الأسئلة مفتوحة حول سرعة التنفيذ وحجم التأثير، فإن الإعلان عن تخصيص ملايين الدولارات لإحياء الملاعب يضع الرياضة في قلب معادلة سياسية معقدة، عنوانها: من الدمار إلى التعافي، ومن الصراع إلى مساحة لعب مشتركة.
هكذا، تطرق كرة القدم باب الدبلوماسية، في محاولة لتحويل صافرة البداية إلى إشارة انطلاق لمرحلة جديدة في قطاع ينتظر أن تعود إليه الحياة، ولو عبر كرة تتدحرج فوق عشبٍ أخضر جديد.

