مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

غرب ليبيا على صفيح ساخن.. اشتباكات تكشف أزمة السلاح وتآكل هيبة الدولة

نشر
الأمصار

تشهد مدن غرب ليبيا موجة جديدة من التوترات الأمنية أعادت إلى الواجهة أزمة السلاح المنفلت، وطرحت تساؤلات واسعة حول قدرة السلطات على فرض سيادة القانون وإنهاء سطوة التشكيلات المسلحة.

وبينما تتكرر الاشتباكات بوتيرة مقلقة، يجد المواطن نفسه الحلقة الأضعف في معادلة معقدة تتداخل فيها الحسابات السياسية بالمصالح العسكرية، في ظل غياب حلول جذرية تعالج أصل الأزمة لا مظاهرها فقط.

وخلال الأيام الأخيرة، عاشت مدن عدة في المنطقة الغربية على وقع تحركات مسلحة متزامنة، تنوعت بين احتجاجات مسلحة وإغلاق طرق رئيسية واشتباكات مباشرة بين مجموعات تتبع جهات مختلفة.

وأسفرت تلك المواجهات عن سقوط ضحايا بين المدنيين وإصابة عناصر أمنية، فضلًا عن أضرار مادية لحقت بالممتلكات العامة والخاصة، ما أعاد مشاهد الفوضى التي اعتادها الليبيون في فترات سابقة.

ولم تعد الاشتباكات المسلحة في غرب ليبيا حدثًا استثنائيًا، بل تحولت إلى مشهد متكرر يعكس هشاشة الوضع الأمني. فمع كل جولة توتر، تتجدد المخاوف من انزلاق الأمور إلى صدامات أوسع، خاصة في ظل الانتشار الكثيف للسلاح داخل المدن، ووجود تشكيلات متعددة الولاءات والمرجعيات.

وتشير المعطيات إلى أن جزءًا من هذه التوترات يرتبط بتنافس على النفوذ والسيطرة على مواقع حيوية، سواء كانت مقار أمنية أو طرق إمداد أو مناطق ذات أهمية اقتصادية. 

وفي غياب مؤسسة عسكرية موحدة قادرة على ضبط المشهد، تظل احتمالات التصعيد قائمة في أي لحظة، حتى وإن هدأت الأوضاع مؤقتًا بوساطات محلية.

الوجه الأكثر إيلامًا في هذه الأحداث يبقى هو ما يتعرض له المدنيون. فإطلاق النار العشوائي داخل الأحياء السكنية، وانتشار المسلحين في الشوارع، وإغلاق الطرق الحيوية، كلها عوامل تزيد من معاناة السكان الذين يدفعون ثمن صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

كما تؤدي الاشتباكات إلى تعطيل الدراسة وإرباك الخدمات الصحية وعرقلة حركة التجارة، ما ينعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية. ويعبّر كثير من المواطنين عن شعور متنامٍ بالإحباط، في ظل تكرار الوعود الرسمية بضبط الأمن دون أن تترجم إلى خطوات ملموسة على الأرض.

أزمة بنيوية في قطاع الأمن

 

لا يمكن فصل ما يحدث في غرب ليبيا عن السياق الأوسع للأزمة الأمنية التي تعاني منها البلاد منذ سنوات. فالتشكيلات المسلحة التي نشأت في ظروف استثنائية تحولت مع الوقت إلى كيانات قائمة بذاتها، تمتلك نفوذًا ميدانيًا وأحيانًا موارد مالية، ما يجعل عملية دمجها أو تفكيكها مسألة شديدة التعقيد.

وتواجه محاولات إعادة هيكلة القطاع الأمني تحديات كبيرة، أبرزها غياب التوافق السياسي الكامل، وتداخل الصلاحيات بين المؤسسات، فضلًا عن انعدام الثقة بين بعض الأطراف.

 

وفي ظل هذا الواقع، يبقى السلاح خارج سيطرة الدولة، ما يضعف قدرتها على فرض القانون ويقوّض هيبتها أمام المواطنين.

الوساطات المحلية.. حلول مؤقتة

 

في كثير من الحالات، تنجح وساطات اجتماعية أو قبلية في احتواء التصعيد وفرض هدنة بين الأطراف المتنازعة. غير أن هذه الحلول تظل مؤقتة، إذ لا تعالج جذور الخلافات ولا تنهي أسباب التوتر الكامنة.

ويحذر مراقبون من أن الاعتماد المفرط على التسويات العرفية، دون إطار قانوني واضح، قد يكرّس واقع “الأمر الواقع” ويمنح المجموعات المسلحة دورًا يتجاوز مؤسسات الدولة، بدل أن يكون الحل في إعادة الاعتبار للسلطة الرسمية وتفعيل أدوات المساءلة والمحاسبة.

ولا تخلو الاشتباكات من أبعاد سياسية، إذ غالبًا ما تتداخل حسابات النفوذ المحلي مع التوازنات الوطنية، فالصراع على مواقع استراتيجية أو موارد مالية قد يتحول إلى شرارة لمواجهات مسلحة، خصوصًا في بيئة تعاني من انقسام مؤسسي وعدم استقرار سياسي.

كما أن استمرار حالة الانفلات الأمني يؤثر سلبًا على الاستثمار وحركة الاقتصاد، ويزيد من تكلفة المعيشة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى بيئة مستقرة تسمح بإعادة الإعمار وتحسين الخدمات الأساسية.

ويرى خبراء أن معالجة الأزمة الأمنية في غرب ليبيا تتطلب مقاربة شاملة، تبدأ بتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، وتمر ببرنامج واضح لجمع السلاح وحصره في يد الدولة، وتنتهي بإطلاق مسار عدالة انتقالية يضمن المحاسبة ويعزز المصالحة.

كما أن أي إصلاح أمني حقيقي يحتاج إلى إرادة سياسية قوية، ودعم مجتمعي، وتنسيق مؤسسي فعّال، بعيدًا عن الحلول الترقيعية التي تؤجل الانفجار دون أن تمنعه.

وفي ظل المشهد الراهن، يبقى مستقبل الاستقرار في غرب ليبيا معلقًا على قدرة السلطات على الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي.

فكل جولة اشتباكات تترك وراءها مزيدًا من الشروخ في النسيج الاجتماعي، وتعمّق شعور المواطنين بانعدام الأمان.

ويبقى السؤال المطروح بقوة: هل تتمكن الدولة من استعادة زمام المبادرة وفرض سيادتها الكاملة على الأرض، أم أن دوامة الاشتباكات ستستمر، لتبقى المنطقة الغربية رهينة توازنات هشة وسلاح منفلت ينتظر شرارة جديدة؟