مجلس سلام غزة.. هل يعيد ترامب رسم خرائط الوساطة ويهمش الأمم المتحدة؟
أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأسيس ما أطلق عليه «مجلس السلام» للإشراف على إدارة قطاع غزة، موجة واسعة من الجدل والتساؤلات في الأوساط السياسية والدبلوماسية الدولية، لا سيما مع تسريب وثيقة ميثاق المجلس التي كشفت عن صلاحيات واسعة تتجاوز حدود القطاع الفلسطيني المدمّر، وتمتد إلى نزاعات دولية أخرى، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة أمريكية لإعادة هندسة منظومة إدارة النزاعات العالمية خارج مظلة الأمم المتحدة.
وجاء الإعلان في توقيت بالغ الحساسية، عقب حرب إسرائيلية مدمرة استمرت نحو عامين ضد قطاع غزة، خلّفت دمارًا واسعًا وأزمة إنسانية غير مسبوقة، ما دفع واشنطن إلى طرح إطار جديد لإدارة «اليوم التالي» للحرب، لكن صياغة الميثاق وتفاصيل التفويض فتحت الباب أمام تساؤلات أعمق حول الأهداف الحقيقية لهذا الكيان الوليد.
من غزة إلى العالم.. تفويض يتجاوز الجغرافيا
وبحسب ما كشفته صحيفة «فايننشال تايمز»، فإن ميثاق مجلس السلام لا يذكر قطاع غزة صراحة، بل يتحدث عن الحاجة إلى «هيئة دولية أكثر مرونة وفعالية لبناء السلام»، وهو ما يشير إلى أن المجلس قد لا يكون كيانًا مؤقتًا لمعالجة أزمة محددة، بل منصة دائمة ذات طموحات عالمية.
وينص الميثاق على أن مجلس السلام «منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، واستعادة الحوكمة القانونية، وتأمين سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاعات»، مؤكدًا أن «السلام المستدام يتطلب حلولًا عملية وشجاعة للابتعاد عن مؤسسات ومقاربات فشلت مرارًا».
وهذه اللغة، التي وُصفت بأنها هجومية ضمنيًا على الأمم المتحدة، عززت مخاوف دبلوماسيين من أن إدارة ترامب تسعى إلى إنشاء كيان موازٍ للمنظمة الدولية، قادر على لعب دور الوسيط وصانع القرار دون القيود البيروقراطية التي لطالما انتقدها الرئيس الأمريكي.
ترامب في الصدارة.. صلاحيات غير مسبوقة
واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل في ميثاق مجلس السلام تتعلق بالصلاحيات الواسعة الممنوحة للرئيس الأمريكي بصفته رئيسًا للمجلس، إذ يمنحه الميثاق سلطة تعيين الدول الأعضاء وعزلها، ولا يمكن نقض قراراته إلا بأغلبية الثلثين.
كما يتمتع ترامب بحق فعلي في النقض (الفيتو)، حيث تُتخذ قرارات المجلس بأغلبية الدول الأعضاء الحاضرة والمصوتة، «رهناً بموافقة الرئيس»، مع منحه حق التصويت الحاسم في حال تعادل الأصوات.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ يمنح الميثاق الرئيس الأمريكي «السلطة الحصرية» لإنشاء أو تعديل أو حل الكيانات الفرعية للمجلس، سواء تلك المعنية بغزة أو بنزاعات أخرى قد تُدرج لاحقًا ضمن تفويضه، وهو ما يمنح واشنطن نفوذًا مباشرًا وغير مسبوق في إدارة الأزمات الدولية.
تهميش الأمم المتحدة.. مخاوف دبلوماسية متصاعدة

توزيع ميثاق المجلس جاء بعد تسريبات سابقة عن نية الإدارة الأمريكية منح المجلس دورًا محتملًا في وساطة نزاعات أخرى، مثل الحرب في أوكرانيا أو الأزمة السياسية في فنزويلا، ما دفع دبلوماسيين غربيين إلى التحذير من مساعٍ أمريكية لتقليص دور الأمم المتحدة وإفراغها من مضمونها السياسي.
وقال مسؤول أوروبي رفيع المستوى إن «الفكرة برمتها تبدو ملتبسة»، متسائلًا: «هل نحن أمام تحالف سياسي؟ أم هيئة وساطة؟ أم أداة ضغط بيد واشنطن؟»، في إشارة إلى الغموض الذي يلف طبيعة المجلس وحدود صلاحياته.
وتتسق هذه المخاوف مع سجل ترامب المعروف بعدائه للمؤسسات متعددة الأطراف، إذ سبق له التلويح بسحب الولايات المتحدة من الأمم المتحدة، كما أعلنت واشنطن هذا الشهر انسحابها من 31 هيئة تابعة للمنظمة الدولية، بدعوى تعارضها مع المصالح والسيادة الأمريكية.
ورغم هذا الجدل، يؤكد مسؤولون أمريكيون أن التخطيط الحالي للمجلس يتركز بشكل أساسي على قطاع غزة، حيث تم تصميم هيكلية متعددة المستويات، تبدأ بمجلس أعلى يضم رؤساء دول، يليه مجلس تنفيذي مؤسس، ثم مجلس تنفيذي خاص بغزة.
وغير أن هؤلاء المسؤولين لم يستبعدوا توسع دور المجلس مستقبلًا، مؤكدين أن «مجلس السلام قد يشمل ما هو أبعد من غزة»، خاصة إذا ما تقرر إدراج اتفاقات سلام أخرى سبق أن رعتها إدارة ترامب ضمن تفويضه، عبر إنشاء مجالس تنفيذية إضافية.
وتلقت عدة دول دعوات رسمية للانضمام إلى مجلس السلام، من بينها المملكة العربية السعودية، التي أكدت أنها تدرس الدعوة وفق إجراءاتها الداخلية، مع دعمها المعلن لأي جهود تهدف إلى تحقيق سلام دائم في غزة والمنطقة.
وفي المقابل، أبدت أطراف دولية أخرى تحفظات واضحة، سواء على تركيبة المجلس أو على الصلاحيات الواسعة الممنوحة لرئيسه، وسط مخاوف من أن يتحول إلى أداة سياسية تعكس الرؤية الأمريكية أكثر مما تعكس توافقًا دوليًا حقيقيًا.
ورغم أن مجلس الأمن الدولي فوّض المجلس رسميًا بالإشراف على المرحلة الانتقالية لما بعد الحرب في غزة بموجب قرار صدر في نوفمبر الماضي، فإن الإطار القانوني الذي سيعمل المجلس بموجبه خارج الشرق الأوسط لا يزال غير واضح، ما يفتح الباب أمام صدام محتمل مع صلاحيات الأمم المتحدة وأجهزتها المختلفة.
ويرى مراقبون أن هذا الغموض المتعمد قد يمنح واشنطن مساحة حركة أوسع، ويتيح لها استخدام المجلس كأداة ضغط سياسي ودبلوماسي، خاصة في الملفات التي تواجه فيها صعوبات داخل مجلس الأمن.
إعادة تشكيل النظام الدولي؟
وفي المحصلة، لا يبدو «مجلس سلام غزة» مجرد آلية مؤقتة لإدارة أزمة إنسانية، بل خطوة تحمل أبعادًا استراتيجية أعمق، تعكس رؤية إدارة ترامب لإعادة تشكيل منظومة الوساطة الدولية، والانتقال من تعددية الأطراف إلى صيغ أكثر مركزية تقودها واشنطن مباشرة.
وبين من يرى في المجلس محاولة لسد فراغ دولي وفشل أممي متكرر، ومن يعتبره مشروعًا لتهميش الأمم المتحدة وإعادة إنتاج الهيمنة الأمريكية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نشهد ولادة كيان دولي جديد يعيد تعريف مفهوم حفظ السلام، أم مجرد أداة سياسية عابرة ستصطدم سريعًا بتعقيدات الواقع الدولي؟