جائزة نوبل للسلام… بين القيمة الرمزية والجدل السياسي
تُعد جائزة نوبل للسلام واحدة من أرفع وأشهر الجوائز العالمية، إذ تُمنح سنوياً لمن قدّموا إسهامات استثنائية في خدمة الإنسانية وتعزيز السلام بين الشعوب. وعلى الرغم من رمزيتها العالية، فإن تاريخ الجائزة لم يكن خالياً من الجدل، خاصة حين تتقاطع مع السياسة والصراعات الدولية.
واقعة ماتشادو وترمب تفتح باب التساؤلات
أعادت هيئة البث الأسترالية، الجمعة، تسليط الضوء على الجدل المحيط بجائزة نوبل للسلام، عقب إعلان زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو منحها ميدالية الجائزة التي فازت بها إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وقد رحّب ترمب بهذه الخطوة عبر منصته «تروث سوشيال»، واصفاً إياها بأنها «لفتة رائعة تعكس الاحترام المتبادل».
هذا الموقف أثار تساؤلات قانونية وأخلاقية حول إمكانية مشاركة جائزة نوبل أو نقلها أو التنازل عنها، وما إذا كان يحق للفائز التصرف في الجائزة أو منحها لطرف آخر.
تاريخ طويل من الجدل والتأثيرات السياسية
بحسب هيئة البث الأسترالية، فإن جائزة نوبل للسلام، رغم مكانتها الرفيعة، تحمل تاريخاً طويلاً من القرارات المثيرة للجدل، وغالباً ما تأثرت بالسياقات السياسية العالمية والتحولات الجيوسياسية. فاختيار الفائزين لم يكن دائماً محل إجماع، بل ارتبط أحياناً بصراعات قائمة أو مواقف دولية حساسة.
وتُمنح جوائز نوبل سنوياً في ستة مجالات هي: الفيزياء، والكيمياء، وعلم وظائف الأعضاء أو الطب، والأدب، والسلام، والاقتصاد.
وصية ألفريد نوبل ومعايير جائزة السلام
في وصيته الشهيرة، حدّد ألفريد نوبل، مخترع الديناميت ومؤسس الجوائز، أن تُمنح جائزة السلام إلى «الشخص الذي قدّم أكبر وأفضل عمل في سبيل الأخوة بين الأمم، أو تقليص الجيوش النظامية أو إلغائها، أو عقد مؤتمرات السلام والترويج لها».
ويحصل الفائز بجائزة نوبل للسلام على ميدالية ذهبية عيار 18 قيراطاً، وشهادة رسمية، إضافة إلى مكافأة مالية تبلغ 11 مليون كرونة سويدية، أي ما يعادل نحو 1.8 مليون دولار أميركي.
فلسفة مختلفة عن بقية الجوائز
في عام 2022، أوضحت آسلي توجي، عضوة لجنة نوبل النرويجية، أن جائزة السلام تختلف عن غيرها من جوائز نوبل، قائلة: «نحن لا نبحث فقط عن الإنجازات، بل عن فعل الصواب، وعن القيم الإنسانية، وعن الأعمال الصالحة». وأضافت: «لا نبحث عن ذكاء يُقاس بالأرقام أو الوزن».
هل يمكن سحب الجائزة أو نقلها؟
الإجابة الحاسمة هي: لا. فقد أكد معهد نوبل النرويجي في بيان رسمي أن جائزة نوبل، بمجرد الإعلان عنها، لا يمكن سحبها أو مشاركتها أو نقلها إلى أي شخص آخر، مشدداً على أن القرار «نهائي وسارٍ إلى الأبد».
وأوضح مدير المعهد، أولاف نجولستاد، أن وصية ألفريد نوبل والنظام الأساسي لمؤسسة نوبل لا يتضمنان أي بند يسمح بسحب الجائزة أو الطعن في قرار منحها.
الترشيح… القابل للسحب
ورغم عدم إمكانية سحب الجائزة نفسها، فإن الترشيح يمكن سحبه. ويُعد ترشيح أدولف هتلر لجائزة نوبل للسلام عام 1939 أحد أشهر الأمثلة المثيرة للجدل. فقد رشّحه البرلماني السويدي إريك برانت، ما أثار موجة غضب عارمة، قبل أن يوضح لاحقاً أن الترشيح كان ساخراً، وسحبه بنفسه.
رفض الجائزة… حالات نادرة
نعم، يمكن رفض جائزة نوبل، لكن الرفض لا يُبطل قرار منحها. ويُعد الدبلوماسي الفيتنامي لي دوك ثو الشخص الوحيد الذي رفض جائزة نوبل للسلام رسمياً عام 1973، احتجاجاً على استمرار حرب فيتنام رغم اتفاق وقف إطلاق النار.
كما رفض الكاتب الفرنسي جان بول سارتر جائزة نوبل في الأدب عام 1964، انسجاماً مع موقفه الرافض لجميع الأوسمة الرسمية.
إهداء الجائزة… تصرّف شخصي
أما عن إهداء الجائزة، فالتاريخ يشهد حالات بارزة، أبرزها الكاتب الأميركي إرنست همنغواي، الذي فاز بجائزة نوبل في الأدب عام 1954، ثم تبرع بالميدالية والشهادة لشعب كوبا، معتبراً أن أعماله كُتبت وأُلهمت هناك.
وهكذا تبقى جائزة نوبل للسلام رمزاً عالمياً للإنسانية، لكنها في الوقت ذاته مرآة تعكس تعقيدات السياسة والتاريخ والصراعات البشرية.