مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

كيف تؤثر روسيا في مسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية؟

نشر
الأمصار

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات استراتيجية متسارعة في ظل الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

 ولم يعد الصراع يقتصر على الخلافات التقليدية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني أو النفوذ الإقليمي، بل تحول إلى مواجهة إقليمية معقدة تتداخل فيها حسابات القوى الكبرى. وفي قلب هذه المعادلة تبرز روسيا بوصفها لاعبًا دوليًا يسعى إلى حماية مصالحه وتعزيز نفوذه دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

منذ تدخلها العسكري في سوريا عام 2015، نجحت موسكو في ترسيخ حضورها في الشرق الأوسط، الأمر الذي يجعل موقفها من التصعيد الحالي عنصرًا مهمًا في فهم مسار الصراع وتوازناته المستقبلية.

ثوابت السياسة الروسية في الشرق الأوسط

تعتمد السياسة الخارجية الروسية في الشرق الأوسط على مجموعة من المبادئ التي ظلت ثابتة خلال السنوات الأخيرة، ويأتي في مقدمتها مبدأ إدارة الأزمات بدلًا من حسمها. فموسكو ترى أن الحفاظ على حالة توازن بين القوى الإقليمية يمنحها مساحة أكبر للتأثير السياسي والدبلوماسي.

وفي هذا السياق، تفضل روسيا إدارة التوترات بما يضمن استمرار نفوذها دون الانخراط في صراعات عسكرية مباشرة. 

غير أن التصعيد الأخير، خاصة مع تكثيف الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، يضع هذه الاستراتيجية أمام اختبار حقيقي، إذ قد يؤدي توسع الحرب إلى تحولات يصعب التحكم في نتائجها.

كما تدرك موسكو أن اندلاع حرب إقليمية واسعة في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى فوضى تهدد أمن الطاقة وخطوط الملاحة الدولية، وربما يدفع الولايات المتحدة إلى تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، وهو ما يتعارض مع المصالح الروسية.

التحالف الروسي الإيراني: شراكة المصالح

شهدت العلاقات بين موسكو وطهران تطورًا ملحوظًا خلال العقدين الأخيرين، خاصة في مجالات التعاون العسكري والاقتصادي.

 وقد تعزز هذا التقارب بشكل أكبر بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا وفرض العقوبات الغربية على روسيا، إذ وجدت الدولتان نفسيهما في مواجهة منظومة ضغوط غربية مشتركة.

وبالنسبة لروسيا، تمثل إيران شريكًا استراتيجيًا في عدة مجالات، منها التعاون العسكري وتبادل التكنولوجيا الدفاعية، إضافة إلى التنسيق السياسي في ملفات إقليمية مثل سوريا والعراق. 

كما تعد إيران لاعبًا مهمًا في معادلة الطاقة العالمية، وهو ما يفتح المجال أمام تعاون اقتصادي بين البلدين في مواجهة العقوبات الغربية.

ومع ذلك، فإن طبيعة هذا التحالف تبقى قائمة على المصالح المتبادلة أكثر من كونها تحالفًا دفاعيًا رسميًا، وهو ما يفسر الحذر الروسي في التعامل مع الحرب الحالية.

الموقف الروسي الرسمي من الحرب

اتخذت القيادة الروسية منذ بداية التصعيد موقفًا يجمع بين الدعم السياسي لإيران والدعوة إلى وقف الأعمال العسكرية. فقد شدد الكرملين في عدة تصريحات على ضرورة العودة إلى الحلول الدبلوماسية، مع إدانة الضربات العسكرية التي تستهدف الأراضي الإيرانية.

وفي الوقت نفسه، حرصت موسكو على التأكيد أن هذا الصراع لا يمثل حربًا روسية، وأن الأطراف التي بدأت التصعيد يجب أن تتحمل مسؤولية إنهائه.

 ويعكس هذا الخطاب محاولة روسية لتحقيق توازن دقيق بين التضامن السياسي مع طهران وتجنب التورط في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

كما تسعى روسيا إلى الحفاظ على علاقاتها مع أطراف أخرى في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل وبعض دول الخليج، وهو ما يدفعها إلى تبني سياسة دبلوماسية حذرة.

المكاسب المحتملة لروسيا

على الرغم من المخاطر المرتبطة بالحرب، فإن التصعيد في الشرق الأوسط قد يحقق بعض المكاسب غير المباشرة لروسيا. ومن أبرز هذه المكاسب تشتيت التركيز الأمريكي، إذ إن انخراط واشنطن في صراع جديد قد يقلل من الضغط العسكري والسياسي الذي تمارسه على موسكو في الحرب الأوكرانية.

كذلك قد يؤدي التصعيد في منطقة الخليج إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وهو ما يعود بفوائد اقتصادية مباشرة على روسيا باعتبارها أحد أكبر مصدري الطاقة في العالم.

إضافة إلى ذلك، تحاول موسكو استثمار الأزمة لتعزيز صورتها كقوة دولية قادرة على لعب دور الوسيط بين الأطراف المتنازعة، الأمر الذي قد يمنحها نفوذًا دبلوماسيًا إضافيًا في النظام الدولي.

المخاطر والتحديات أمام موسكو

في المقابل، تحمل الحرب مخاطر كبيرة على المصالح الروسية في المنطقة. فإضعاف إيران بشكل كبير قد يؤدي إلى فقدان موسكو أحد أهم حلفائها الإقليميين، وهو ما قد يخل بتوازن القوى في الشرق الأوسط.

كما أن توسع الحرب إلى دول أخرى مثل لبنان أو سوريا قد يهدد المكاسب التي حققتها روسيا خلال السنوات الماضية، خاصة في الساحة السورية التي تمثل إحدى أهم مناطق النفوذ الروسي في المنطقة.

وتخشى موسكو أيضًا من أن يؤدي التصعيد إلى زيادة الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، وهو ما يتعارض مع استراتيجيتها الهادفة إلى تقليص النفوذ الأمريكي عالميًا.

حسابات الحذر الروسي

هناك عدة أسباب تدفع روسيا إلى تبني موقف حذر تجاه الحرب الحالية. أول هذه الأسباب هو تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إذ إن أي تصعيد عسكري بين القوتين قد يحمل مخاطر عالمية كبيرة.

كما أن روسيا ما تزال منخرطة في صراع طويل في أوكرانيا، الأمر الذي يجعل فتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط خيارًا مكلفًا عسكريًا واقتصاديًا.

إضافة إلى ذلك، تسعى موسكو إلى الحفاظ على شبكة علاقاتها المتنوعة في الشرق الأوسط، والتي تشمل دولًا متنافسة في ما بينها، وهو ما يتطلب سياسة توازن دقيقة.

أدوات التأثير الروسية في الصراع

تمتلك روسيا عدة أدوات يمكنها استخدامها للتأثير في مسار الحرب. فمن الناحية الدبلوماسية، تستطيع موسكو استخدام موقعها في مجلس الأمن الدولي لتعطيل أي قرارات قد تستهدف إيران أو لطرح مبادرات للحوار.

كما يمكنها تقديم دعم عسكري غير مباشر لإيران، مثل نقل التكنولوجيا الدفاعية أو تقديم معلومات استخباراتية تساعد طهران في مواجهة الهجمات.

إلى جانب ذلك، تحاول روسيا طرح نفسها كوسيط محتمل بين الأطراف المتحاربة، وهو دور يمنحها نفوذًا سياسيًا مهمًا إذا نجحت في دفع الأطراف نحو تسوية دبلوماسية.

مستقبل الدور الروسي في الحرب

في ضوء التطورات الحالية، يبدو أن روسيا ستستمر في اتباع استراتيجية "الدعم المحسوب"، التي تقوم على تقديم دعم سياسي لإيران دون الانخراط في القتال المباشر. وتسمح هذه الاستراتيجية لموسكو بالحفاظ على تحالفها مع طهران مع تجنب التصعيد مع الولايات المتحدة.

لكن مستقبل هذا الدور سيظل مرتبطًا بتطورات الحرب نفسها. فإذا اتسع نطاق الصراع أو تعرضت إيران لضربة استراتيجية تهدد استقرارها، فقد تجد موسكو نفسها مضطرة إلى زيادة مستوى دعمها لحليفها الإقليمي.

وفي النهاية، يمكن القول إن روسيا تمثل لاعبًا مؤثرًا في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، لكن تأثيرها يبقى في إطار الدبلوماسية وإدارة التوازنات الدولية أكثر من التدخل العسكري المباشر. ويعكس هذا النهج سعي موسكو إلى حماية مصالحها الاستراتيجية دون المخاطرة بالدخول في مواجهة كبرى قد تعيد تشكيل النظام الدولي بأكمله.