مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

أزمة الانتحار في الجيش الأمريكي.. هل فشلت جهود البنتاغون في حماية الجنود؟

نشر
الأمصار

تصاعدت المخاوف في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة من أزمة الانتحار بين أفراد القوات المسلحة، وسط انتقادات متزايدة للوزارة المسؤولة عن الدفاع بسبب تأخر غير معتاد في نشر التقرير السنوي للانتحار، الذي يعد المرجع الرئيسي لرصد الظاهرة وتوجيه سياسات الوقاية داخل المؤسسة العسكرية. 

ويثير هذا التأخير تساؤلات حول شفافية الجيش الأمريكي وفاعلية جهوده في معالجة قضية حساسة تمثل تهديدًا حقيقيًا على حياة الجنود وعائلاتهم، في وقت يشهد فيه المجتمع العسكري ضغوطًا نفسية غير مسبوقة.

تأخر التقرير السنوي.. ثغرة في الشفافية

وفقًا لموقع "بيزنس إنسايدر"، يعد التقرير السنوي للانتحار أداة مركزية لفهم حجم المشكلة في صفوف الجنود، ورصد الاتجاهات، وتحديد فئات الخطر، بما يمكّن المسؤولين من اتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة.

 لكن وزارة الدفاع الأمريكية لم تقدم حتى الآن أي تفسير لتجاوز موعد نشر التقرير المعتاد في فصل الخريف، وهو أمر وصفه خبراء ومحللون بأنه يثير قلقا بالغًا حول مستوى الشفافية في التعامل مع قضية ذات أهمية قصوى.

ولا يقتصر التأخير على التقرير السنوي فحسب، بل يمتد ليشمل بيانات الانتحار الفصلية لعام 2025، حيث لم تُنشر بعد أرقام الربع الثالث، رغم مرور أشهر على الموعد المحدد، ما يعزز المخاوف من وجود قصور في متابعة القضية أو ربما تراجع في أولوية الاهتمام بها.

اكتفى متحدث باسم وزارة الدفاع بالقول إن "الوزارة ليس لديها ما تعلنه في الوقت الحالي"، وهو الرد ذاته الذي تكرر عند متابعة الاستفسارات لاحقة. 

ولم يصدر أي تعليق رسمي من مكتب منع الانتحار التابع للبنتاغون، الجهة المسؤولة عن إعداد التقرير، فيما لم يتضح ما إذا كان التأخير مرتبطًا بإغلاق الحكومة الفيدرالية أو بعوامل تنظيمية أخرى، وهو ما أضاف بعدًا من الغموض على الأزمة.

خلفية الأزمة.. متى بدأت وماذا تقول الأرقام؟

تعود مشكلة الانتحار في الجيش الأمريكي إلى عقود مضت، لكنها شهدت تصاعدًا ملحوظًا منذ بداية العقد الثاني من القرن الحالي، حيث أظهرت بيانات وزارة الدفاع زيادة مستمرة في حالات الانتحار بين الجنود العسكريين مقارنة مع الجنود المدنيين. 

وتشير إحصاءات رسمية إلى أن معدلات الانتحار بين الجنود في بعض السنوات تجاوزت معدلات الانتحار في المجتمع المدني بنسب تتراوح بين 20 و40%، وهو ما يسلط الضوء على المخاطر النفسية والضغط المستمر الذي يواجهه أفراد الجيش الأمريكي.

وتظهر الأرقام أن المجندين الشباب، وخصوصًا من الذكور، يشكلون الفئة الأكثر عرضة للخطر، فيما تظل الأسلحة النارية العامل الأكثر تأثيرًا في حالات الانتحار، حيث كانت متورطة في نحو نصف الحالات المسجلة. 

وتشير الدراسات إلى أن ضغوط الحياة العسكرية، والبعثات القتالية الطويلة، والفقدان أو الابتعاد عن الأسرة، كلها عوامل تزيد من احتمالية الانتحار بين الجنود.

جهود البنتاغون السابقة.. ماذا تم وما فشل؟

بدأت وزارة الدفاع الأمريكية منذ أوائل العقد الأول من القرن الحالي بإطلاق برامج للوقاية من الانتحار، تضمنت:

إنشاء مكاتب مخصصة لمراقبة الصحة النفسية للجنود.

تكثيف برامج التوعية حول الانتحار والإجهاد النفسي.

تقديم استشارات فردية وجماعية للجنود والعائلات.

برامج التواصل اليومي بين المشرفين والمرؤوسين لمراقبة الصحة النفسية.

ورغم هذه الجهود، استمرت معدلات الانتحار في الارتفاع، مما دفع بعض الخبراء إلى التشكيك في فعالية هذه المبادرات. 

فقد أظهرت مراجعات عدة أن بعض البرامج كانت "إجرائية" أكثر منها فاعلة، وأنها لم تعالج جذور المشكلة، مثل الضغوط النفسية المستمرة، والوصول السهل إلى الأسلحة، والتحديات الاجتماعية داخل صفوف الجيش.

أهمية نشر البيانات.. المساءلة والشفافية

يشدد خبراء الصحة النفسية العسكرية على أن نشر التقارير السنوية للانتحار ليس مجرد واجب أكاديمي، بل هو عنصر أساسي في الشفافية والمساءلة العامة. 

كما يقول البروفيسور رون كيسلر، أستاذ سياسات الرعاية الصحية في جامعة هارفارد: "هذه البيانات تتيح للعامة والإدارة العسكرية تقييم أداء الجيش في حماية جنوده، وتوجيه الموارد والجهود إلى حيث الحاجة الفعلية".

وبالنسبة للباحثين، توفر التقارير معلومات حيوية لتطوير سياسات وقائية، بما في ذلك تحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر، وإطلاق برامج التدخل المبكر، ومراقبة فعالية التدابير الوقائية.

وتتشابك أسباب الانتحار العسكري بين عوامل نفسية، اجتماعية، وظروف مهام العمل. وتشمل أبرز هذه العوامل:

الضغوط النفسية المرتبطة بالخدمة العسكرية: خصوصًا أثناء المهام القتالية، أو في بيئات التدريب المكثف.

الوحدة والابتعاد عن الأسرة: بعد شهور من الغياب عن الأحبة، يشعر الجنود بالعزلة والضغط النفسي.

التاريخ النفسي والمشكلات الشخصية: بعض الجنود يعانون مشاكل نفسية أو اضطرابات اكتئابية دون الدعم الكافي.

سهولة الوصول إلى الأسلحة: الأمر الذي يزيد من سرعة تنفيذ الانتحار دون تدخل وقائي.

غياب الدعم الكافي من القيادة المباشرة: حيث تركز بعض البرامج على التوثيق والإحصاء أكثر من تقديم دعم فعلي.

وتشير الدراسات إلى أن الضغوط تتفاقم في مواسم محددة، مثل فترة الأعياد أو أثناء الانتقالات القتالية، ما يجعل الحاجة لبرامج وقاية متكاملة أكثر إلحاحًا.

وتزامنت الأزمة مع تغييرات إدارية داخل الجيش، أبرزها حل مديرية جي-9، المسؤولة عن جودة حياة الجنود، ودمج مهامها ضمن الموارد البشرية. ويثير هذا الدمج تساؤلات حول تأثيره على أولوية برامج الدعم النفسي، خاصة أن بعض الجنود وصفوا الإجراءات الجديدة بأنها "إجرائية وغير فعالة".

كما أضاف غياب التقرير السنوي عن الانتحار طبقة إضافية من القلق، إذ يصعب تقييم النتائج، ومتابعة التقدم في برامج الوقاية، ومعرفة ما إذا كانت التدابير الجديدة تحقق الأثر المطلوب.

دور البنتاغون والدور الدولي

يعتبر البنتاغون هو الجهة المسؤولة عن وضع السياسات الوقائية والإشراف على صحة الجنود النفسية، ولكنه يواجه تحديات تنظيمية وسياسية. 

ويشير خبراء إلى أن مشاركة المجتمع المدني، والشفافية مع وسائل الإعلام، وإشراك الباحثين الخارجيين، يمكن أن تعزز قدرة الجيش على معالجة الأزمة بفاعلية.

وتلعب التقارير السنوية دورًا مهمًا في تعزيز الثقة بين الجيش والمجتمع، وفي إبراز التزام القيادة بأولوية حياة الجنود، وهو ما يظل غائبًا في حالة التأخير المستمر لنشر البيانات.

بينما تتواصل أزمة الانتحار داخل الجيش الأمريكي، يبقى السؤال الأبرز: هل تستطيع المؤسسة العسكرية معالجة هذه الأزمة بفعالية؟ وهل يمكن لغياب الشفافية أن يؤثر على قدرة القيادة على التدخل المبكر؟

وتطرح الأزمة تحديًا مزدوجًا: من جهة، حماية الجنود وضمان سلامتهم النفسية، ومن جهة أخرى، ضمان المساءلة والشفافية لتعزيز ثقة المجتمع بالمؤسسة العسكرية.