مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

حرب إيران تهز الاقتصاد العالمي.. ماذا سيحدث للنفط في الأسابيع القادمة؟

نشر
الأمصار

أعادت الحرب الدائرة حول إيران المخاوف العالمية بشأن مستقبل الاقتصاد الدولي، خاصة في ظل الارتفاع الحاد الذي شهدته أسعار الطاقة خلال الأيام الأولى من التصعيد. 

ويخشى خبراء الاقتصاد من أن تؤدي هذه التطورات إلى موجة جديدة من التضخم العالمي، قد تعرقل جهود البنوك المركزية التي تسعى منذ فترة إلى خفض أسعار الفائدة وتحفيز النمو الاقتصادي.

ومع تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط، بدأت الأسواق العالمية تشهد حالة من الترقب والقلق، خصوصًا في ظل تهديدات محتملة لحركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة التي تمر عبر أهم الممرات البحرية في العالم.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار الحرب أو توسعها قد يؤدي إلى تأثيرات عميقة في الاقتصاد العالمي، خاصة إذا استمرت أسعار النفط والغاز في الارتفاع لفترة طويلة.

أسعار النفط تقفز مع تصاعد التوترات

وشهدت أسعار النفط العالمية قفزة ملحوظة مع اندلاع الحرب، حيث اقترب سعر خام برنت من مستوى 120 دولارًا للبرميل، وهو مستوى لم تشهده الأسواق منذ فترة طويلة.

ويرجع هذا الارتفاع إلى المخاوف من تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم، إذ يمر عبره ما يقرب من 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية.

وأدى التهديد بإغلاق المضيق أو تعطيل حركة السفن والناقلات إلى زيادة حالة القلق في الأسواق، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار النفط والغاز، خاصة في أوروبا التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة من المنطقة.

كما شهدت أسعار الغاز الطبيعي، خصوصًا في السوق الأوروبية، ارتفاعات ملحوظة نتيجة المخاوف من نقص الإمدادات في حال استمرار التوترات في الشرق الأوسط.

ارتفاع الطاقة ينعكس على الأسعار العالمية

يشير خبراء الاقتصاد إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يقتصر تأثيره على قطاع النفط والغاز فقط، بل يمتد إلى العديد من القطاعات الاقتصادية الأخرى.

فارتفاع تكلفة الوقود يؤدي عادة إلى زيادة تكاليف النقل والشحن والخدمات اللوجستية، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار السلع الغذائية والصناعية في مختلف الأسواق العالمية.

كما أن ارتفاع تكلفة الكهرباء والطاقة المستخدمة في المصانع قد يؤدي إلى زيادة تكلفة الإنتاج، الأمر الذي يدفع الشركات إلى رفع أسعار منتجاتها لتعويض الزيادة في التكاليف.

وفي النهاية، يتحمل المستهلك العبء الأكبر لهذه الزيادات، سواء من خلال ارتفاع أسعار السلع أو زيادة تكاليف الخدمات المختلفة.

تحذيرات من المؤسسات الاقتصادية الدولية

بدأت المؤسسات الاقتصادية الدولية بالفعل في التحذير من التأثيرات المحتملة لارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد العالمي.

فقد أشار خبراء في المؤسسات المالية الدولية إلى أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10% بشكل مستدام قد يؤدي إلى زيادة التضخم العالمي بنحو 0.4%.

كما تشير تقديرات بعض البنوك الاستثمارية الكبرى إلى أن أي ارتفاع مماثل في أسعار النفط قد يضيف نحو 0.3% إلى معدلات التضخم الاستهلاكي حول العالم.

هذه التوقعات دفعت العديد من الاقتصاديين إلى دراسة السيناريوهات المحتملة التي قد يشهدها الاقتصاد العالمي خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا استمرت الحرب لفترة أطول.

السيناريو الأول.. صدمة تضخمية مؤقتة

يرى بعض المحللين أن السيناريو الأكثر تفاؤلًا يتمثل في أن تكون الأزمة الحالية مجرد صدمة تضخمية مؤقتة.

وفي هذا السيناريو، قد تتمكن الأسواق من استيعاب الصدمة إذا تم احتواء التوترات سريعًا واستؤنفت حركة الملاحة في مضيق هرمز بشكل طبيعي.

وفي حال تحقق ذلك، فمن المتوقع أن تستقر أسعار النفط في نطاق يتراوح بين 90 و100 دولار للبرميل، وهو مستوى قد يسمح للبنوك المركزية بالتعامل مع التضخم دون اتخاذ إجراءات متشددة.

كما قد يتيح هذا السيناريو المجال أمام بعض البنوك المركزية لاستئناف خطط خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة لدعم النشاط الاقتصادي.

السيناريو الثاني.. تضخم مستدام

أما السيناريو الثاني فيفترض استمرار الاضطرابات في إمدادات الطاقة لفترة أطول، ما قد يؤدي إلى بقاء أسعار النفط في مستويات مرتفعة تتراوح بين 110 و120 دولارًا للبرميل.

وفي هذه الحالة، قد يصبح التضخم العالمي أكثر استدامة، حيث تشير التقديرات إلى إمكانية ارتفاعه بنحو 0.5%.

هذا الوضع قد يدفع البنوك المركزية إلى تأجيل خطط خفض أسعار الفائدة، وربما الإبقاء على السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول بهدف السيطرة على التضخم.

ويحذر الخبراء من أن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة قد يؤثر سلبًا على الاستثمار والنمو الاقتصادي في العديد من الدول.

السيناريو الثالث.. خطر الركود التضخمي

السيناريو الثالث والأكثر خطورة يتمثل في حدوث اضطراب كبير في إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط، وهو ما قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 130 و150 دولارًا للبرميل.

وفي هذه الحالة، قد يواجه الاقتصاد العالمي ما يعرف بـ"الركود التضخمي"، وهو وضع اقتصادي يجمع بين التضخم المرتفع وتباطؤ النمو الاقتصادي في الوقت نفسه.

وقد شهد العالم هذا النوع من الأزمات خلال سبعينيات القرن الماضي، عندما أدت صدمات النفط إلى ارتفاع الأسعار وتراجع النشاط الاقتصادي في العديد من الدول.

ويعد الركود التضخمي من أكثر السيناريوهات تعقيدًا بالنسبة لصناع القرار الاقتصادي، لأن السياسات المستخدمة لمكافحة التضخم قد تؤدي إلى إضعاف النمو الاقتصادي بشكل أكبر.

تأثير حرب إيران على أسواق المال

لم تقتصر تداعيات الحرب على أسواق الطاقة فقط، بل امتدت أيضًا إلى أسواق المال والسندات العالمية.

فقد شهدت أسواق السندات ارتفاعًا في العوائد خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يعكس توقعات المستثمرين بأن أسعار الفائدة قد تبقى مرتفعة لفترة أطول من المتوقع.

ويعني ارتفاع العوائد أن تكلفة الاقتراض بالنسبة للشركات والأفراد قد تظل مرتفعة، الأمر الذي قد يؤثر على الاستثمارات والإنفاق الاستهلاكي.

كما قد يؤدي استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق إلى زيادة تقلبات أسواق الأسهم والعملات حول العالم.

ويرى خبراء الاقتصاد أن العامل الحاسم في تحديد مسار الاقتصاد العالمي خلال الفترة المقبلة سيكون مدى استمرار الاضطرابات في تدفقات الطاقة العالمية.

فكلما طالت مدة التوترات في منطقة الشرق الأوسط، زادت احتمالات استمرار أسعار النفط والغاز عند مستويات مرتفعة، وهو ما قد يضغط على الاقتصاد العالمي.

وفي المقابل، فإن التوصل إلى تهدئة سياسية أو عودة الاستقرار إلى أسواق الطاقة قد يساعد في تخفيف الضغوط التضخمية واستعادة التوازن في الأسواق العالمية.

وفي ظل هذه التطورات، يمر الاقتصاد العالمي بمرحلة حساسة تتطلب حذرًا كبيرًا من صناع القرار الاقتصادي حول العالم.

فالتحدي الرئيسي يكمن في كيفية تحقيق التوازن بين السيطرة على التضخم والحفاظ على النمو الاقتصادي، خاصة في ظل بيئة عالمية مليئة بالتحديات الجيوسياسية.

ويبقى السؤال الأهم الذي يشغل الأسواق حاليًا: إلى أي مدى ستستمر تداعيات الحرب على إيران؟ وهل سيتمكن الاقتصاد العالمي من تجاوز هذه الأزمة دون الدخول في مرحلة ركود واسعة؟

الإجابة على هذا السؤال ستتحدد إلى حد كبير وفق مسار الأحداث في المنطقة، ومدى تأثيرها على إمدادات الطاقة العالمية خلال الفترة المقبلة.