مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

عملية أمريكية خاطفة في فنزويلا.. كيف انتهت ساعات «مادورو» الأخيرة في القصر الرئاسي؟

نشر
 ترامب يُتابع مع
ترامب يُتابع مع مسؤولي إدارته عملية اعتقال مادورو

في ساعات ثقيلة حبست أنفاس «فنزويلا»، تحوّل القصر الرئاسي من رمز للسُلطة إلى مسرح لعملية خاطفة أعادت رسم المشهد السياسي بالكامل. تحركات سريعة، صمت أمني، وقرارات اتُّخذت في الخفاء، انتهت بإخراج «نيكولاس مادورو» من قلب الحُكم، في عملية أمريكية قلبت الموازين وفتحت الباب أمام أخطر فصول «الأزمة الفنزويلية». كيف جرت التفاصيل داخل القصر؟ ومن الذي حسم اللحظة الأخيرة قبل مغادرة «مادورو» المشهد الرئاسي؟

ارتباك وحسم داخل القصر

وبينما كانت الأنظار تتجه إلى الخارج، جرت داخل القصر تحركات مُتسارعة عكست حجم الارتباك والصدمة، مع تضارب في الأوامر وغياب واضح لمراكز القرار. مصادر مطلعة تحدثت عن لحظات توتر حاد، تزامنت مع وصول وحدات خاصة وإجراءات غير مسبوقة، قبل أن يُحسم المشهد خلال دقائق حاسمة أنهت وجود «مادورو» في القصر، ودفعت «فنزويلا» إلى مرحلة سياسية مفتوحة على كل الاحتمالات.

قبيل الساعة الثانية صباحًا بقليل في العاصمة الفنزويلية «كاراكاس» سُمع دوي طائرات هليكوبتر من طراز (MH-60 Black Hawk) و(MH-47 Chinook) في السماء، وبدأت بعض المنازل تهتز، وتصدع عدد من النوافذ، بينما حلّقت ست طائرات على الأقل على ارتفاع منخفض. ثم بدأ القصف، وامتلأت سماء الليل بكرات نارية وانفجارات. ووقع ما لا يقل عن سبعة انفجارات في كاراكاس وفي ثلاث ولايات فنزويلية.

post-title
 ترامب يُتابع مع مسؤولي إدارته عملية اعتقال مادورو

وفي الوقت الذي أعلن فيه المسؤولون الفنزويليون حالة الطوارئ، شنّت القوات الأمريكية حملة قصف مُستهدفة مواقع عسكرية رئيسية، بما في ذلك مقر قيادة جيش مادورو في كاراكاس.

وفي غضون دقائق، شُوهد المدنيون بالقُرب من تلك المناطق وهم يركضون بحثًا عن الأمان، هاربين من الانفجارات وهدير الطائرات الأمريكية، بينما كانت ألسنة اللهب وأعمدة الدخان الكثيفة تتصاعد من أفق العاصمة.

وسط هذا كله، لم يظهر أي أثر لـ«مادورو» نفسه على شاشات التلفزيون أو أثير الإذاعة في البلاد، على الرغم من أن صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تلقت تأكيدات من مصادرها بأن «بعض من في دائرته المُقربة على الأقل كانوا بأمان». وبحلول الساعة الثالثة صباحًا، أصبح من الواضح أن هذه كانت عملية مُوجّهة لشل الجيش الفنزويلي وربما أيضًا الإطاحة بقيادته السياسية.

وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث يُتابع عملية اعتقال مادورو

عملية أمريكية عالية السرية

وفقًا لما نقلته صحيفة «ذا تليجراف» البريطانية، استُهدفت ثلاث قواعد عسكرية فنزويلية على الأقل، من بينها حصن «تيونا»، مقر وزارة الدفاع الفنزويلية. الذي يضم أيضًا مركز إنتاج الغذاء التابع للجيش، والمقر الرسمي لنائب الرئيس الفنزويلي، ومجمعًا سكنيًا ضخمًا للنخبة العسكرية في البلاد.

ثم قامت القوات الأمريكية بضرب «لا كارلوتا»، القاعدة الجوية الرئيسية في كاراكاس، التي تعرّضت للقصف خلال انقلاب هوجو تشافيز الفاشل عام 1992، إضافة إلى قاعدة إشارات «إل فولكان» و«لا جوايرا»، الميناء الرئيسي للبلاد.

مع هذا كان وابل الانفجارات فقط لصرف انتباه القيادة الفنزويلية عن مُهمة أخرى أكثر سرية كانت تتكشف أمام أعينهم، وهي مُهمة شملت وحدة القوات الخاصة الأمريكية، قوة «دلتا». حيث ذكرت شبكة «CNN» أن مادورو وزوجته، سيليا فلوريس، البالغة من العمر (69 عامًا)، كانا في غرفة النوم بقصر «ميرافلوريس»، مقر إقامته الرسمي، عندما تمت المداهمة.

مداهمة غرفة النوم

نقلت المحطة الأمريكية عن مصدرين إن كليهما، مادورو وزوجته، كانا نائمين عندما بدأت المداهمة، حيث اقتحم عناصر «دلتا» الغرفة واعتقلوهما، ثم نُقلا بواسطة مروحية إلى حاملة الطائرات الأمريكية (USS Iwo Jima)، وهي سفينة حربية هجومية برمائية من فئة (Wasp). ومن هناك، نُقلا إلى مدينة نيويورك ووُجهت إليهما تهم تتعلق بالإرهاب المُرتبط بالمخدرات.

وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن القبض على الزعيم الفنزويلي بسرعة أصبح مُمكنًا بفضل مصدر تابع لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية مُتغلغل في الحكومة الفنزويلية، الذي كان يُرسل تقارير عن مكان مادورو في الأيام التي سبقت الهجوم.

ومن غير المعروف كيف تم تجنيد الجاسوس، أو ما هو المنصب الذي شغله في الحكومة الفنزويلية، لكن مكافأة واشنطن البالغة (50 مليون دولار) مقابل المعلومات التي تُؤدي إلى القبض على «مادورو» ربما شجعته على التقدُّم.

غرفة عمليات في أمريكا لمتابعة عملية اعتقال مادورو

المخدرات والإجرام أبرز الاتهامات

ليس سرًا أن إدارة ترامب كانت تعتبر الإطاحة بـ«مادورو» أحد خياراتها الرئيسية منذ فترة طويلة. حيث تُحمّل واشنطن سائق الحافلة السابق مسؤولية مرور مئات الآلاف من المهاجرين، بمن فيهم العديد من المجرمين، عبر حدودها الجنوبية، وقد وصف ترامب النظام بأنه «ديكتاتورية» إرهابية مُرتبطة بتجارة المخدرات.

تقول «ذا تليجراف»: أنه بعد الهجوم يُمكن تلخيص شكوى ترامب الرئيسية من فنزويلا في «المخدرات» و«إفراغ السجون في الولايات المتحدة».

ووفق الصحيفة البريطانية، لوحظ أن العملية الأمريكية «بدت شديدة الاستهداف وتجنبت العديد من المواقع العسكرية الفنزويلية، ما يُشير إلى أن الهدف ربما كان ببساطة تغيير النظام بسرعة»، لافتة إلى أن «هذه كانت عملية استغرقت شهورًا من التخطيط».

وشاهد ترامب «كل جانب» من جوانب الغارة عبر الفيديو من غرفة خاصة في فلوريدا، إلى جانب جنرالات أمريكيين ومسؤولين كبار آخرين. قال: «لقد شاهدتها (المداهمة) حرفيًا كما لو كنت أشاهد برنامجًا تلفزيونيًا. رأيت السرعة والعنف، لقد كان شيئًا مُذهلًا».

وأفاد الرئيس الأمريكي ترامب، بأن العملية كانت «مُعقّدة للغاية» وتطلبت عددًا «هائلًا» من الطائرات المقاتلة والمروحيات، فضلًا عن عمليات هبوط مُعقّدة، وأشاد بـ«الاحترافية والجودة المُذهلة للقيادة» للجنود المشاركين في العملية، مُوضحًا: «كانت هناك بعض الإصابات ولكن لم تكن هناك وفيات في صفوفنا».

أيام حاسمة في فنزويلا

وهكذا، لم تنتهِ ساعات «مادورو» الأخيرة ذكرى عابرة داخل جدران القصر الرئاسي، بل تحوّلت إلى نقطة فاصلة في تاريخ فنزويلا الحديث، بعدما فرضت العملية الأمريكية واقعًا جديدًا أعاد ترتيب موازين القوة داخليًا وخارجيًا. وبينما تتوالى ردود الفعل الدولية وتتسع دوائر القلق، تبقى «فنزويلا» أمام مُفترق طرق مفتوح على سيناريوهات مُعقّدة، سيحسمها ما ستشهده الأيام المُقبلة من صراع إرادات وحسابات نفوذ تتجاوز حدود البلاد.