ليبيا تنتفض: حراك شعبي ودعم رسمي لدفع الانتخابات وإنهاء الانقسام
شهدت ليبيا مؤخرًا تحركات شعبية واسعة تحت شعار "حراك الوطن"، حيث خرج آلاف المواطنين إلى الشوارع مطالبين بالإسراع في إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، في خطوة تعكس إرادة الشعب الليبي لإنهاء المرحلة الانتقالية الطويلة التي امتدت لعقد كامل وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية وقانونية.
مظاهرات شاملة في مختلف المدن
خرج الليبيون من مختلف الأعمار والشرائح الاجتماعية، من رجال ونساء وشباب وكبار السن، إلى الشوارع في عدد من المدن الرئيسية والفرعية، بما في ذلك بنغازي، وطبرق، ودرنة، والبيضاء، وسرت، وأجدابيا في شرق البلاد، وسبها، وأوباري، وتراغن، والجفرة، والقطرون في الجنوب، وصولًا إلى بني وليد غربًا.
وقد رفعت هذه المظاهرات شعارات واضحة مثل "ليبيا وحدة واحدة.. ولا لمرحلة انتقالية جديدة"، لتؤكد على رفض الشعب لأي استمرار للانقسام السياسي أو تأجيل الانتخابات.
هذه التحركات الشعبية لم تقتصر على المطالبات وحدها، بل جاءت لتشكل رسالة قوية للمسؤولين الليبيين مفادها أن المواطن يطالب بممارسة حقوقه الدستورية في اختيار قيادة وطنه، وأن هناك حاجة ملحة لإنهاء حالة الفراغ السياسي التي تغذيها الأطراف المختلفة في الداخل والخارج.
موقف رسمي داعم للانتخابات
ردًا على الحراك الشعبي، أصدر رئيس مجلس النواب الليبي، المستشار عقيلة صالح، بيانًا أكد فيه أن المظاهرات تمثل "إرادة الليبيين، مصدر السلطات"، مشددًا على أهمية إجراء الانتخابات الرئاسية في أسرع وقت ممكن.
وأوضح صالح أن نحو ثلاثة ملايين ناخب ينتظرون هذا الاستحقاق، داعيًا المفوضية الوطنية العليا للانتخابات إلى التنفيذ الفوري لقانون انتخاب الرئيس المُحال إليها.
كما شدد صالح على أن إجراء الانتخابات الرئاسية بسرعة هو السبيل لضمان وحدة التراب الليبي ومؤسسات الدولة، ومنع استمرار حالة الفوضى والانقسام، إضافة إلى تلبية تطلعات الشعب الليبي في بناء دولة مستقرة وموحدة.
دعم البرلمان والمجتمع الدولي
من جانبه، أعرب النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، مصباح دومة، عن دعم البرلمان الكامل لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية دون أي تأخير، مؤكدًا على ضرورة فتح باب الترشح أمام جميع المرشحين الذين تتوافر فيهم الشروط القانونية.
ودعا دومة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات إلى اتخاذ "إجراءات عاجلة" لضمان انتخابات حرة ونزيهة، كما نوه بأهمية الدعم الدولي لحق الشعب الليبي في تقرير مصيره دون أي تدخلات خارجية قد تعيق المسار الديمقراطي.
تأييد الحكومة للحراك الشعبي
من جهته، أعلن رئيس الحكومة الليبية، أسامة حماد، تأييده للحراك الشعبي، معربًا عن أمله في استمرار جهود مجلس النواب بالتعاون مع المفوضية الوطنية للانتخابات، للوصول إلى آلية مناسبة تضمن سرعة إنجاز الانتخابات الرئاسية.
كما دعا المجتمع الدولي إلى احترام إرادة الشعب الليبي وفقًا لمبادئ الديمقراطية، والوقوف إلى جانب خيار الليبيين في إجراء انتخابات شاملة وشفافة.
الحراك الشعبي يكشف أدوات الانقسام
وأكد المحلل السياسي الليبي، وسام تاج الدين، أن خروج المواطنين في توقيت واحد ومن مناطق مختلفة يعكس وحدة الشعب ورفضه القاطع للانقسام السياسي، موضحًا أن هذه المظاهرات سلمية وتمثل موقفًا وطنيًا خالصًا يرفض أي مرحلة انتقالية جديدة. وأضاف أن الحراك الشعبي يفضح أدوات الأزمة التي تغذيها بعض الأطراف الدولية، مشددًا على ضرورة إصدار السلطة التشريعية أوامر واضحة للمفوضية لإجراء الانتخابات في أسرع وقت ممكن.
أهمية الانتخابات لإنهاء الانقسام
يمثل إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خطوة حاسمة لإنهاء الانقسام السياسي في ليبيا، حيث سيسمح ذلك بتوحيد مؤسسات الدولة واستعادة الثقة بين المواطن والدولة، إلى جانب تعزيز الاستقرار السياسي والأمني في مختلف المناطق.
ويؤكد هذا التحرك الشعبي على أن الليبيين يرفضون استمرار الوضع الراهن، ويطالبون بحقهم الدستوري في اختيار قيادة تعكس إرادتهم وتطلعاتهم.
على الرغم من الدعم الشعبي والرسمي، يبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت الدعوات الحالية كافية لفتح باب الانتخابات فعليًا، خصوصًا في ظل التعقيدات القانونية والسياسية القائمة، والمواقف المتباينة لبعض الأطراف الداخلية والخارجية.
ويشير الخبراء إلى أن نجاح العملية الانتخابية يتطلب تعاون جميع الأطراف الليبية، وضمان دور محايد للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، إضافة إلى مراقبة المجتمع الدولي لسلامة ونزاهة الإجراءات.
الحراك الشعبي في ليبيا يعكس رغبة حقيقية في استعادة السيادة الشعبية وحق المواطن في تقرير مستقبل بلده. ومع استمرار الدعم الرسمي من مجلس النواب والحكومة، هناك أمل متجدد في أن يشهد الشعب الليبي انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال الفترة القادمة، تمثل خطوة حقيقية نحو الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي، وإنهاء مرحلة الانتقال التي طال أمدها، بما يخدم مصلحة ليبيا ومواطنيها في بناء دولة قوية وموحدة.
هذه التحركات الأخيرة تُظهر بوضوح أن إرادة الشعب الليبي هي المحرك الأساسي لأي عملية إصلاح سياسي، وأن الانتخابات ليست مجرد استحقاق قانوني، بل تمثل أداة حيوية لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية، وتحقيق طموحات المواطن الليبي في حياة أفضل ومستقبل أكثر استقرارًا.

