تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا واحدة من أكثر مراحلها توترًا خلال السنوات الأخيرة، في ظل تصعيد أمريكي متسارع شمل إجراءات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية، أثار مخاوف واسعة من احتمال انزلاق الأزمة إلى مواجهة مباشرة بين البلدين.

وخلال الأسابيع الماضية، كثفت إدارة الرئيس الأمريكي ضغوطها على هافانا عبر حزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية، بالتزامن مع نشاط عسكري واستخباراتي متزايد بالقرب من السواحل الكوبية، الأمر الذي اعتبرته الحكومة الكوبية تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي ومحاولة لإخضاع الجزيرة سياسيًا واقتصاديًا.
ورغم نفي مسؤولين أمريكيين وجود خطط فورية لغزو كوبا، فإن التحركات الأخيرة تعكس مستوى غير مسبوق من التوتر، خاصة مع تصاعد الخطاب السياسي الحاد بين الطرفين، وعودة أجواء الحرب الباردة إلى منطقة البحر الكاريبي.
يأتي التصعيد الأمريكي في وقت تواجه فيه كوبا أزمة اقتصادية تُعد من الأسوأ منذ عقود، نتيجة استمرار العقوبات الأمريكية وتراجع الدعم الخارجي الذي كانت تعتمد عليه هافانا لسنوات طويلة.

وتعاني البلاد من انهيار واضح في قطاعات حيوية، على رأسها الطاقة والنقل والخدمات العامة، حيث أصبحت الانقطاعات الكهربائية المتكررة جزءًا من الحياة اليومية للمواطنين، في ظل نقص حاد في الوقود والمواد الأساسية.
كما يشهد قطاع السياحة، الذي يمثل أحد أهم مصادر الدخل القومي، تراجعًا ملحوظًا بسبب الظروف الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي، ما أدى إلى تفاقم معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
وامتدت آثار الأزمة إلى القطاع الصحي والخدمات البلدية، مع تصاعد التحذيرات من تدهور الوضع الإنساني داخل البلاد، خصوصًا في المناطق الفقيرة التي تعاني من نقص الإمدادات الطبية والغذائية.
وتفاقمت هذه التحديات بعد تراجع الإمدادات النفطية القادمة من فنزويلا، الحليف التقليدي لهافانا، عقب التطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها كاراكاس خلال الأشهر الماضية.
وباتت كوبا تعتمد بشكل متزايد على شحنات وقود روسية تصل عبر ترتيبات معقدة، وهو ما جعل الاقتصاد الكوبي أكثر هشاشة أمام أي ضغوط خارجية جديدة.
في خضم هذه الأزمة، أثارت التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة مخاوف متزايدة بشأن نوايا واشنطن الحقيقية تجاه الجزيرة الكاريبية.
وبحسب تقارير إعلامية أمريكية، كثف الجيش الأمريكي منذ فبراير الماضي عمليات الاستطلاع وجمع المعلومات الاستخباراتية قرب الأجواء الكوبية، عبر أكثر من عشرين طلعة جوية نفذتها طائرات متخصصة في الحرب الإلكترونية والاستطلاع.
وشملت هذه العمليات استخدام طائرات من طراز “آر سي-135 في ريفت جوينت”، المعروفة بقدرتها على اعتراض الاتصالات الإلكترونية وتحديد مواقع أنظمة الدفاع الجوي ورصد التحركات العسكرية.
وأظهرت بيانات تتبع الرحلات الجوية أن أغلب هذه الطلعات تمركزت قرب العاصمة هافانا ومدينة سانتياغو دي كوبا، ما دفع مراقبين إلى التحذير من أن هذه الأنشطة قد تكون جزءًا من استعدادات استخباراتية لخيارات أكبر في المستقبل.
ويشير محللون إلى أن نمط التحركات الجوية الحالية يشبه إلى حد كبير أنشطة استطلاع سبقت عمليات أمريكية سابقة في مناطق توتر أخرى، بينها فنزويلا وإيران، وهو ما زاد من حجم التكهنات داخل الأوساط السياسية والعسكرية.
ورغم تصاعد القلق، يرى مراقبون عسكريون أن احتمالات التدخل العسكري الأمريكي المباشر لا تزال محدودة في الوقت الراهن، نظرًا لغياب مؤشرات واضحة على حشد قوات قتالية كبيرة قرب كوبا.
فأي عملية عسكرية واسعة النطاق، خاصة إذا تضمنت تدخلًا بريًا، تتطلب استعدادات لوجستية وعسكرية ضخمة، وهو ما لم يتم رصده حتى الآن.
كما أن انشغال الجيش الأمريكي بملفات أخرى، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط، يجعل فتح جبهة جديدة في البحر الكاريبي خيارًا بالغ التعقيد سياسيًا وعسكريًا.
لكن في المقابل، يحذر خبراء من أن التصعيد التدريجي قد يقود إلى أخطاء في الحسابات أو مواجهات محدودة غير محسوبة، خصوصًا مع استمرار المناورات العسكرية والاستفزازات السياسية المتبادلة.
وساهمت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي في رفع منسوب التوتر، بعدما ألمح في أكثر من مناسبة إلى إمكانية “السيطرة السريعة” على كوبا إذا اقتضت الضرورة.
وفي تصريحات أثارت جدلًا واسعًا، تحدث ترامب مازحًا عن اقتراب حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن” من السواحل الكوبية، وإجبار المسؤولين هناك على الاستسلام، معتبرًا أن بلاده تمتلك القدرة على فرض سيطرتها بسهولة.
كما أشار إلى ما وصفه بـ”السيطرة الودية” على الجزيرة، معتبرًا أن كوبا قد تكون المحطة التالية للضغوط الأمريكية بعد انتهاء العمليات الجارية في الشرق الأوسط.
ورغم أن هذه التصريحات جاءت في إطار سياسي وإعلامي، فإن مراقبين يرون أنها تحمل رسائل ضغط واضحة تستهدف القيادة الكوبية، وتُستخدم كورقة سياسية داخلية وخارجية في آن واحد.
من جانبه، أكد وزير الخارجية الأمريكي أن العقوبات الجديدة تأتي ضمن استراتيجية تهدف إلى “حماية الأمن القومي الأمريكي”، مشددًا على أن واشنطن ستواصل ممارسة الضغوط حتى تستجيب الحكومة الكوبية للمطالب الأمريكية.
وترى الإدارة الأمريكية أن استمرار النظام الكوبي الحالي يمثل تهديدًا للاستقرار الإقليمي، متهمة هافانا بتعزيز علاقاتها مع خصوم واشنطن الدوليين، وعلى رأسهم روسيا وإيران.
كما تؤكد واشنطن أن العقوبات تستهدف مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية، وليس الشعب الكوبي، إلا أن هذه الرواية تواجه انتقادات واسعة من منظمات دولية وحقوقية تعتبر أن العقوبات تؤدي عمليًا إلى زيادة معاناة المدنيين.
في المقابل، وصفت الحكومة الكوبية العقوبات الأمريكية بأنها “عدوان اقتصادي مباشر”، مؤكدة أنها تمثل محاولة لخنق الاقتصاد الكوبي وإثارة اضطرابات داخلية.
ورد الرئيس الكوبي بلهجة حادة، مؤكدًا أن بلاده لن ترضخ للضغوط أو التهديدات الأمريكية.
وحذر من أن أي تدخل عسكري أمريكي سيواجه “مقاومة شرسة”، تعتمد على تكتيكات حرب العصابات والدفاع الشعبي، بما قد يؤدي إلى خسائر كبيرة للطرفين.
وأكدت هافانا أن الشعب الكوبي اعتاد مواجهة العقوبات والحصار منذ عقود، وأن الضغوط الجديدة لن تدفع البلاد إلى التخلي عن سيادتها أو تغيير نظامها السياسي.
ورغم استمرار قنوات الاتصال الدبلوماسي بين البلدين، فإن المحادثات الأخيرة لم تحقق أي تقدم ملموس، وسط تمسك كل طرف بمواقفه الأساسية.
كما رفضت الحكومة الكوبية عروضًا أمريكية تضمنت مساعدات إنسانية ودعمًا للبنية التحتية وخدمات إنترنت مجانية عبر شبكة “ستارلينك”، معتبرة أن هذه المبادرات تحمل أهدافًا سياسية وتسعى إلى زعزعة الاستقرار الداخلي.
وفي ظل استمرار التصعيد، تبدو العلاقات بين واشنطن وهافانا أمام مرحلة شديدة الحساسية، قد تحدد مستقبل التوازنات في منطقة البحر الكاريبي خلال السنوات المقبلة.
وبينما تواصل الولايات المتحدة تشديد ضغوطها السياسية والاقتصادية، تصر كوبا على التمسك بخيار المواجهة والصمود، في مشهد يعيد إلى الأذهان عقودًا من الصراع التاريخي بين البلدين، وسط مخاوف متزايدة من أن يتحول التصعيد الحالي إلى أزمة مفتوحة يصعب احتواؤها.