رمضان في الأمصار

بين "تبييض السفرة" و"المعروك".. كيف يرسم السوريون ملامح رمضان بطقوس لا تشبه سواها؟

السبت 28 فبراير 2026 - 07:08 م
مصطفى سيد
الأمصار

مع حلول شهر رمضان، تتحول المدن السورية إلى مشهد نابض بالتقاليد المتوارثة التي تمزج بين الروحانية والبهجة الشعبية. 

ورغم تبدّل الظروف الاقتصادية وتراجع بعض المظاهر القديمة، لا تزال عادات الشهر الكريم في سوريا تحافظ على طابعها الخاص، من "حجّة رمضان" في الأسواق، إلى "تبييض السفرة" بأطباق اللبن، وصولًا إلى "السكبة" بين الجيران وموائد الإفطار العامرة.

"حجّة رمضان".. مهرجان التسوق قبل الهلال

قبل أيام من إعلان بداية الشهر، تنطلق في الأسواق السورية حركة كثيفة تُعرف باسم "حجّة رمضان".

 لا يُعدّ الأمر مجرد تسوق اعتيادي، بل طقس جماعي تتزاحم فيه العائلات لشراء المؤن والبهارات والحلويات وكل ما يلزم المائدة الرمضانية.

ومن المشاهد اللافتة الإقبال على الأواني النحاسية، سواء بشراء الجديد منها أو تلميع القديم، اعتقادًا بأن بريق النحاس يجلب البركة للمائدة. وفي بعض المناطق الريفية، كانت النساء يحرصن على "تبييض الجدران" بالجير الأبيض قبيل رمضان، في رمز للنقاء واستقبال الشهر ببيوت مشرقة.

مدفع الإفطار.. صوت يوحّد المدينة

لطالما ارتبط رمضان في دمشق بصوت المدفع الذي كان يُطلق من قلعة المدينة، قبل أن يتغير موقعه في السنوات الأخيرة ليُسمع صداه من سفوح جبل قاسيون.

 ومع دويّه، تتوحد البيوت على توقيت واحد، ويهرع الأطفال إلى النوافذ، بينما يضبط كبار السن ساعاتهم على صوته.

هذا الطقس، الذي تعود جذوره إلى العهدين المملوكي والعثماني، ما زال حاضرًا رغم انتشار الهواتف الذكية والتطبيقات التي تحدد أوقات الصلاة بدقة.

"بدنا نبيّضها".. اللبن سيد المائدة

من أغرب وأجمل الطقوس الدمشقية في الأيام الأولى من رمضان ما يُعرف بـ"تبييض السفرة" أو "بدنا نبيّضها". في هذه العادة، تكاد المائدة تقتصر على الأطباق المطبوخة باللبن، فيتحول الطعام إلى لوحة بيضاء ناصعة.

تتصدر "الشاكرية" القائمة، بطبقها الغني باللحم واللبن والثوم والنعناع. وتحضر "الكبة اللبنية" بأشكالها المتعددة، إلى جانب "شيخ المحشي" و"شيش برك" المحشو باللحم والمغمور بلبن ساخن متبّل بالثوم.

ويُعتقد أن بدء الإفطار بأطباق اللبن يساعد المعدة على التدرج في استعادة نشاطها بعد ساعات الصيام الطويلة. لذلك تشهد محلات الألبان ازدحامًا كبيرًا قبيل رمضان، وتحجز العائلات كميات مخصصة لأيام "التبييض".

العصائر والحلويات.. تنوع بطعم الذاكرة

بعد الأيام الأولى، تتسع المائدة لتشمل طيفًا واسعًا من العصائر التقليدية مثل "قمر الدين" و"الجلاب" و"التمر هندي" و"العرقسوس".

أما الحلويات، فتختلف باختلاف المحافظات. في حمص تتصدر "التمرية" المشهد، بينما تشتهر حلب بـ"غزل البنات" المزين بالفستق الحلبي. وتنتشر في معظم المدن أصناف "المشبك" و"العوّامة" و"القطايف".

ويبقى "المعروك" نجم المائدة الرمضانية بلا منازع كان قديمًا خبزًا بسيطًا يُخبز في رمضان فقط، أما اليوم فتتنوع حشواته بين العجوة والقشطة والكاسترد وحتى النكهات الحديثة.

"السكبة".. طبق يعبر الشارع

لا تكتمل صورة رمضان السوري دون "السكبة"، وهي عادة تبادل الأطباق بين الجيران قبيل أذان المغرب. تعدّ كل عائلة طبقًا مميزًا وترسله إلى البيوت المجاورة عبر الأطفال.

ولا يُعاد الطبق فارغًا، بل بعد غسله وتزيينه بقطعة حلوى أو وردة، في إشارة إلى الامتنان. وتلعب "السكبة" دورًا اجتماعيًا مهمًا، إذ تعزز الروابط وتحل الخلافات الصغيرة وتدمج الوافدين الجدد في نسيج الحي.

موائد الرحمن.. من الساحات إلى السلال

كانت "موائد الرحمن" من أبرز مظاهر التكافل في المدن السورية، حيث تمتد الطاولات في الشوارع ليجتمع حولها الغني والفقير. لكن الظروف الاقتصادية الصعبة في السنوات الأخيرة غيّرت شكل هذا المشهد.

تحولت الموائد المفتوحة إلى سلال غذائية توزعها الجمعيات الخيرية على الأسر المحتاجة. لم يختفِ العطاء، لكنه أصبح أكثر تنظيمًا وأقل ظهورًا في الفضاء العام.

المطاعم "تصوم" أيضًا

من الظواهر الطريفة في المدن السورية إغلاق عدد من مطاعم الوجبات السريعة خلال النصف الأول من رمضان. ويستغل أصحابها هذه الفترة لإجراء أعمال الصيانة وتجديد الديكورات، استعدادًا لعودة النشاط بعد العيد.

في المقابل، تشهد المطاعم الشعبية التي تقدم الأطباق التقليدية ازدحامًا ملحوظًا، إذ تفضل العائلات الإفطار في أجواء تراثية.

ليالٍ عامرة وسهرات حتى السحور

بعد الإفطار، تبدأ السهرات الرمضانية التي تمتد حتى السحور. تجتمع العائلات في بيت كبيرها، وتُحتسى المشروبات الساخنة وسط أحاديث لا تنتهي.

كان "المسحّراتي" يجوب الأحياء بطبله مرددًا أهازيج لإيقاظ الناس، لكنه تراجع حضوره مع انتشار المنبهات الإلكترونية. ورغم ذلك، ما زالت بعض الأحياء تحافظ على هذا الصوت التراثي ولو بشكل رمزي.

وفي العشر الأواخر، تتجه الأنظار إلى المساجد العتيقة مثل الجامع الأموي، حيث تزداد أعداد المصلين والمعتكفين، وتعلو أصوات التراويح في أجواء مهيبة.

رمضان.. ذاكرة تتجدد رغم التحديات

رغم كل التغيرات، تبقى الطقوس الرمضانية السورية عصية على الاندثار.

 قد تتبدل أشكالها، وقد تفرض التكنولوجيا والظروف الاقتصادية إيقاعًا جديدًا، لكن الجوهر يظل ثابتًا: شهر يجمع العائلة، ويعزز التكافل، ويمنح الناس فسحة أمل وسط صعوبات الحياة.

بين "تبييض السفرة" و"المعروك"، وبين "السكبة" والسهرات الطويلة، يرسم السوريون صورة لرمضان لا تشبه سواها؛ صورة تتداخل فيها الذاكرة بالواقع، والتقاليد بالتجدد، ليبقى الشهر الكريم مساحة سنوية للدفء الروحي والاجتماعي.