دراسات وأبحاث

باكستان وأفغانستان على صفيح ساخن.. قراءة مقارنة في موازين القوة العسكرية

الجمعة 27 فبراير 2026 - 09:23 م
جهاد جميل
الأمصار

مع تصاعد حدة الاشتباكات على الحدود بين باكستان وأفغانستان، عادت الأسئلة القديمة لتطفو على السطح كيف يبدو ميزان القوة بين الجارتين؟ وأي طرف يمتلك اليد العليا عسكرياً إذا ما انزلقت المواجهات إلى صراع أوسع؟

خلال الساعات الماضية، تبادل الجانبان الاتهامات بشأن سقوط قتلى وجرحى، في وقت تحدثت فيه إسلام آباد عن دخولها مرحلة “حرب مفتوحة”، بينما أكدت كابل استعدادها للرد. وفي ظل هذا المناخ المتوتر، تبرز المقارنة العسكرية كمدخل لفهم حدود التصعيد واحتمالاته.

ك

أولاً: خلفية التصعيد.. حدود ملتهبة وصراع مزمن

يمتد التوتر بين البلدين على طول خط ديورند، وهو خط حدودي لطالما كان موضع خلاف سياسي وأمني. 

وتتهم باكستان جماعات مسلحة بالتحرك انطلاقاً من الأراضي الأفغانية، فيما ترى كابل أن إسلام آباد تتدخل في شؤونها الداخلية.

منذ عودة حركة طالبان إلى الحكم في كابل، تعقّدت المعادلة الأمنية. 

فالحكومة الأفغانية الجديدة لم تحظَ باعتراف دولي واسع، ما انعكس على بنيتها العسكرية وقدرتها على التطوير والتحديث، في مقابل استمرار باكستان في تعزيز قدراتها الدفاعية.

 

ثانياً: القوى البشرية.. تفوق عددي باكستاني واضح

يُعدّ حجم القوات المسلحة أحد أبرز مؤشرات القوة التقليدية. ووفق تقديرات دولية متخصصة، يبلغ عدد الأفراد النشطين في القوات المسلحة الباكستانية نحو 660 ألف عسكري.

توزيع القوات الباكستانية:

هذا الانتشار يعكس بنية عسكرية تقليدية متكاملة الأركان، مع توازن نسبي بين الأفرع الرئيسية.

في المقابل، يقدَّر عدد مقاتلي القوات التابعة لحركة طالبان بنحو 172 ألف عنصر نشط، مع إعلان نوايا لرفع العدد إلى 200 ألف. غير أن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة مستوى التدريب أو الجاهزية التقنية، خصوصاً في ظل تحديات التمويل والعقوبات.

ثالثاً: التسليح البري.. دبابات ومدرعات في مواجهة ترسانة غير واضحة

باكستان: ترسانة مدرعة ضخمة

تمتلك باكستان أكثر من 6 آلاف مركبة قتالية مدرعة، إضافة إلى ما يزيد على 4600 قطعة مدفعية متنوعة. هذا التنوع يشمل مدافع ميدان وأنظمة راجمات صواريخ، ما يمنح الجيش الباكستاني قدرة على إدارة معارك تقليدية واسعة النطاق.

كما تعتمد إسلام آباد على شراكات دفاعية قوية، لا سيما مع الصين، ما أتاح لها تحديث جزء كبير من منظومتها البرية.

أفغانستان: معدات موروثة وغموض في الأرقام

أما القوات الأفغانية، فتعتمد إلى حد بعيد على معدات استولت عليها بعد انهيار الجيش السابق، إلى جانب عتاد يعود إلى الحقبة السوفياتية. وتشمل الترسانة دبابات قتال رئيسية وناقلات جنود مدرعة ومركبات متعددة الاستخدام.

لكن تبقى المشكلة الأساسية في:

هذا الغموض يقلل من القدرة على تقييم الجاهزية الفعلية للقوات الأفغانية مقارنة بنظيرتها الباكستانية.

 

رابعاً: سلاح الجو.. فجوة واسعة في السماء

إذا كانت المقارنة البرية تميل بوضوح لصالح باكستان، فإن الفارق الجوي يبدو أكثر حدة.

التفوق الجوي الباكستاني

تمتلك باكستان نحو 465 طائرة مقاتلة، إضافة إلى أكثر من 260 مروحية تشمل:

هذا الأسطول يمنحها قدرة على تنفيذ ضربات دقيقة، وفرض سيطرة جوية، وتقديم إسناد مباشر للقوات البرية.

أفغانستان: غياب شبه كامل للقوة الجوية

في المقابل، لا تمتلك أفغانستان قوة جوية حقيقية بالمعنى التقليدي. وتشير التقديرات إلى وجود عدد محدود من الطائرات، لا يتجاوز بضع وحدات، إضافة إلى نحو 23 مروحية، مع عدم وضوح عدد الصالح منها للتشغيل.

ويعني ذلك عملياً أن أي مواجهة تقليدية موسعة ستضع القوات الأفغانية في موقف دفاعي حرج، خاصة في ظل غياب مظلة جوية فعالة

خامساً: العامل النووي.. الردع الحاسم

أحد أبرز عناصر التفوق الاستراتيجي لباكستان يتمثل في امتلاكها ترسانة نووية تُقدّر بنحو 170 رأساً نووياً.

هذا العامل لا يدخل ضمن حسابات المواجهات الحدودية المحدودة، لكنه يمثل:

في المقابل، لا تمتلك أفغانستان أي قدرات نووية، ولا مؤشرات على سعيها لتطوير مثل هذا النوع من الأسلحة.

 

سادساً: الاعتراف الدولي وتأثيره على الجاهزية

تعاني الحكومة الأفغانية من غياب الاعتراف الدولي الواسع، ما انعكس سلباً على:

بينما تواصل باكستان الاستفادة من علاقات عسكرية ممتدة مع قوى دولية وإقليمية، ما يتيح لها تحديث أسلحتها والحفاظ على مستوى جاهزية مرتفع نسبياً.

 

سابعاً: بين التفوق النظري والواقع الميداني

رغم التفوق العددي والتقني الواضح لباكستان، فإن الحروب لا تُحسم بالأرقام وحدها. فالجغرافيا الجبلية الوعرة على الحدود، وطبيعة القتال غير النظامي، قد تمنح القوات الأفغانية أفضلية نسبية في بعض السيناريوهات الدفاعية.

كما أن أي تصعيد واسع قد يحمل تداعيات إقليمية، ويستدعي تدخلات سياسية ودبلوماسية لاحتواء الموقف.

تُظهر المقارنة العسكرية تفوقاً باكستانياً واضحاً في معظم المؤشرات: عدد القوات، حجم الترسانة البرية، التفوق الجوي، وامتلاك السلاح النووي. في المقابل، تواجه أفغانستان تحديات تتعلق بالجاهزية، والصيانة، والاعتراف الدولي.

غير أن استمرار التوتر على الحدود يبقي المنطقة في دائرة الخطر، حيث يمكن لأي حادث ميداني أن يشعل مواجهة أوسع، في ظل بيئة سياسية وأمنية شديدة الحساسية.

وفي النهاية، تبقى الحسابات العسكرية جزءاً من الصورة، بينما تظل السياسة والدبلوماسية العامل الحاسم في منع انزلاق الجارتين إلى صراع مفتوح لا يمكن التنبؤ بتداعياته.