حتى مع حلول شهر رمضان، الحرب في السودان لم تتوقف عمليًا ولا يزال المدنيون يتعرضون للقتال والضربات الجوية والدرونز، مما يعني أن ندرة الغذاء والخدمات الصحية لم تتحسن بشكل ملموس خلال الشهر المبارك.
وحتى الآن، لم يتم إعلان وقف إطلاق نار فعلي ومستدام بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع خلال شهر رمضان، والنزاع مستمر وبدون اتفاق شامل لوقف الأعمال القتالية.
قبل وأثناء شهر رمضان، قوى سياسية ومدنية سودانية طالبت رسميًا الطرفين بإعلان هدنة إنسانية شاملة تشمل وقف إطلاق النار، إطلاق المعتقلين، وتبادل الأسرى تحت رقابة دولية.
الدعوة شملت أيضًا مطالب بفتح “ممرات آمنة” لإيصال المساعدات الإنسانية التي يحتاجها المدنيون بشكل عاجل
لكن على أرض الواقع… لا توجد حتى الآن إعلان رسمي أو التزام متبادل بين الجيش وقوات الدعم السريع بوقف القتال خلال رمضان.
ورغم الدعوات، كلا الطرفين استمرّا في العمليات العسكرية، ولا سيما في ولايات مثل كردفان ودارفور، مع استمرار الضربات الجوية والاشتباكات البرية وعدم توقف الدرونز والهجمات على المدنيين.
منذ 15 أبريل 2023 اندلع صراع مسلح بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وميليشيات قوات الدعم السريع (RSF) بقيادة محمد حمدان دقلو (“حميدتي”).

الصراع بدأ من خلافات على السلطة والسيطرة داخل مؤسسات الدولة، ثم توسّع إلى حرب واسعة شملت أنحاء البلاد بما في ذلك الخرطوم، دارفور، كردفان، والجزيرة.
أدى هذا النزاع إلى أسوأ أزمة إنسانية في العالم مع ملايين النازحين وعشرات الآلاف من الضحايا المدنيين.
جرائم الحرب هي انتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني أثناء النزاع المسلّح، وتشمل من بين أمور أخرى:
استهداف المدنيين، وقتل غير قانوني أو قتل جماعي، والتعذيب والمعاملة القاسية، والهجمات على مراكز طبية / مدارس، والتدمير الواسع للممتلكات غير العسكرية، واستخدام العنف الجنسي كسلاح حرب، والتجويع كوسيلة للقتال، وعمليات تطهير عرقي أو إبادة محتملة
هذه الأفعال قد تُعتبر أيضًا جرائم ضد الإنسانية إذا كانت واسعة النطاق ومنهجية، وقد تُرقى إلى إبادة جماعية إذا كانت تهدف إلى تدمير مجموعة معينة على أساس عرقي أو ديني.
هذه الميليشيا متهمة بارتكاب أغلب الانتهاكات الكبرى، من بينها:
هجمات واسعة على المدنيين في دارفور ومدن أخرى، وارتكاب أعمال قتل جماعي وتعذيب ونهب، واستهداف مدنيين على أساس عرقي وديني، وهو ما وجدت بعثة الأمم المتحدة أنه “قد يرقى إلى إبادة جماعية” في الفاشر، واستخدام العنف الجنسي والاغتصاب كسلاح ضد المدنيين، ومنع المساعدات الإنسانية واحتجاز العاملين في الإغاثة.
منذ اندلاع الحرب في السودان في 2023، وجدت القوات المسلحة السودانية نفسها طرفًا رئيسيًا في صراع دموي غير مسبوق ضد قوات الدعم السريع، في حرب لم تقتصر آثارها على الميدان العسكري فحسب، بل امتدت إلى مختلف جوانب الحياة السياسية والإنسانية والقانونية في البلاد.
اعتمدت القوات المسلحة خلال الحرب على تفوقها الجوي كأداة أساسية في القتال، حيث نفذت غارات جوية واسعة النطاق استهدفت مواقع تقول إنها تابعة لقوات الدعم السريع في العاصمة الخرطوم وأم درمان وأجزاء من دارفور وكردفان. كما استخدم الجيش الطائرات المسيّرة لأغراض الاستطلاع والهجوم، إلى جانب المدفعية الثقيلة في مناطق الاشتباك.
هذه العمليات مكّنته في بعض الفترات من استعادة أو الحفاظ على مواقع استراتيجية، مثل مقار عسكرية ومطارات ومناطق سيادية، وأعلنت القيادة العامة للجيش في أكثر من مناسبة إحباط محاولات تقدم لقوات الدعم السريع داخل المدن الكبرى.
غير أن هذا الدور العسكري لم يكن بمعزل عن انتقادات واتهامات دولية متصاعدة. فقد وثقت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية سقوط أعداد كبيرة من المدنيين نتيجة الغارات الجوية والقصف المدفعي، خاصة في مناطق مأهولة بالسكان. وتشير هذه التقارير إلى أن بعض العمليات العسكرية اتسمت بعدم التناسب، أو لم تراعِ بشكل كافٍ مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، وهو ما يضع القوات المسلحة تحت طائلة المساءلة وفق قواعد القانون الدولي الإنساني.
كما وُجهت اتهامات للجيش باستهداف أو التسبب في تدمير منشآت مدنية محمية، من بينها مستشفيات ومدارس وبنية تحتية حيوية، سواء بشكل مباشر أو نتيجة العمليات العسكرية في محيطها.
ندد الاتحاد الأوروبي، عبر غالبية دوله الأعضاء، إلى جانب المملكة المتحدة وكندا، بـ"جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية" يحتمل ارتكابها في السودان، داعيا إلى وقف فوري للقتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، في ظل أزمة إنسانية كارثية دفعت نحو 14 مليون شخص إلى النزوح داخل البلاد وخارجها.
جاء ذلك في بيان مشترك وقعه وزراء خارجية 28 دولة، إلى جانب مفوضة أوروبية ومسؤول سويسري معني بالشأن الإنساني، شددوا فيه على ضرورة الوقف الفوري للأعمال القتالية وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق.
وأكد البيان أن الانتهاكات المرتكبة "قد ترقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية"، و"يجب أن تكون موضع تحقيقات سريعة ومستقلة ومحايدة"، مع إدانة "التصعيد الخطير" في الهجمات بالطائرات المسيّرة والغارات الجوية التي استهدفت مدنيين وطواقم طبية وإنسانية، في إقليمي دارفور وكردفان اللذين وصفهما البيان بأنهما "بؤرة لأخطر أزمة إنسانية في العالم".