دراسات وأبحاث

ثورة فبراير اليمنية.. سقط النظام ولم تسقط أزماته

الأربعاء 11 فبراير 2026 - 07:07 م
نرمين عزت
الأمصار

ثورة فبراير اليمنية هي حركة احتجاجية شعبية اندلعت في 11 فبراير 2011، ضمن موجة ثورات الربيع العربي، وهدفت أساسًا إلى إنهاء حكم الرئيس علي عبد الله صالح الذي استمر أكثر من 33 عامًا.

ثورة 11 فبراير اليمنية 

جاءت الثورة نتيجة تراكم طويل من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. عانى اليمنيون من الفساد المستشري، وضعف مؤسسات الدولة، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، إلى جانب توريث السلطة وتآكل فرص المشاركة السياسية، خاصة لدى الشباب. ومع نجاح ثورتي تونس ومصر، تصاعدت مطالب الشارع اليمني بالتغيير.

انطلاق الاحتجاجات

بدأت التظاهرات في صنعاء وتعز وعدن ومدن أخرى، واتخذت طابعًا سلميًا في معظمها. تمركز المحتجون في ساحات عُرفت لاحقًا باسم ساحات التغيير، وكان عماد الحركة الشباب، بدعم من قوى سياسية ومنظمات مدنية وقبلية لاحقًا.

واجهت الاحتجاجات قمعًا أمنيًا، أبرزُه جمعة الكرامة في مارس 2011 التي قُتل فيها عشرات المتظاهرين، ما شكّل نقطة تحوّل كبرى. بعد ذلك، انشق عدد من القيادات العسكرية والسياسية عن النظام، وازدادت الضغوط الداخلية والخارجية على صالح.

مطالب ثورة 11 فبراير اليمنية 

كانت مطالب ثورة فبراير اليمنية مشروعًا متكاملًا لإعادة بناء الدولة والمجتمع، لا مجرد تغيير رأس النظام. إلا أن تعقيدات الواقع السياسي والصراعات اللاحقة حالت دون تحقيق معظم هذه الأهداف، ما أبقى الثورة حاضرة كفكرة ومطلب مؤجل.

أولًا: إسقاط النظام وبناء شرعية جديدة

كان المطلب المركزي للثورة هو إسقاط نظام علي عبد الله صالح بكل رموزه، باعتباره نظامًا استبداديًا قائمًا على احتكار السلطة وإفراغ المؤسسات من دورها الحقيقي. طالب الثوار بإنهاء حكم الفرد والعائلة، ورفض مشروع توريث السلطة، والسعي إلى تأسيس شرعية سياسية نابعة من إرادة الشعب عبر انتخابات حرة ونزيهة.

ثانيًا: إقامة دولة مدنية حديثة

دعا الثوار إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على سيادة القانون، لا على النفوذ القبلي أو العسكري. دولة تُدار فيها المؤسسات على أساس الكفاءة والمواطنة المتساوية، ويكون الجيش والأمن فيها مؤسسات وطنية لا أدوات لحماية النظام أو العائلة الحاكمة.

ثالثًا: العدالة الاجتماعية وإنهاء الفساد

احتلت محاربة الفساد موقعًا محوريًا في مطالب الثورة، حيث طالب المحتجون بمحاسبة الفاسدين واستعادة الأموال العامة المنهوبة، ووقف استغلال موارد الدولة لمصلحة فئة ضيقة. كما شددوا على تحقيق العدالة الاجتماعية، وتقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وضمان توزيع عادل للثروة الوطنية.

رابعًا: تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية

طالب الثوار بإصلاح شامل للاقتصاد اليمني، وخلق فرص عمل حقيقية للشباب، ورفع مستوى الدخل، وتحسين الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، في ظل معدلات فقر وبطالة كانت من الأعلى عربيًا آنذاك.

خامسًا: احترام حقوق الإنسان والحريات العامة

أكدت الثورة على ضرورة ضمان حرية التعبير والصحافة والتجمع السلمي، ووقف الاعتقالات التعسفية، وإنهاء القمع الأمني. كما طالبت بالتحقيق في الجرائم المرتكبة بحق المتظاهرين، وعلى رأسها مجزرة جمعة الكرامة، ومحاسبة المسؤولين عنها.

سادسًا: استقلال القضاء وسيادة القانون

شددت مطالب الثورة على بناء قضاء مستقل ونزيه، يكون المرجع الأول لحل النزاعات، بعيدًا عن التدخلات السياسية. وطالب الثوار بتفعيل مبدأ سيادة القانون بحيث يخضع له الجميع دون استثناء.

سابعًا: شراكة وطنية وحوار شامل

دعت الثورة إلى حوار وطني جامع يضم كل القوى السياسية والاجتماعية، بما في ذلك الشباب والمرأة والحراك الجنوبي والحوثيون، من أجل صياغة عقد اجتماعي جديد يحدد شكل الدولة ونظام الحكم والعلاقة بين المركز والأقاليم.

ثامنًا: قضية الجنوب وصعدة

طالب الثوار بحلول عادلة للقضايا الوطنية الكبرى، وعلى رأسها القضية الجنوبية، من خلال معالجة المظالم السياسية والاقتصادية، وكذلك قضية صعدة عبر إنهاء الحروب وإيجاد تسوية سياسية عادلة تضمن حقوق المواطنين.

تاسعًا: تمكين الشباب والمرأة

اعتبرت الثورة أن الشباب والمرأة هم محرك التغيير الأساسي، وطالبت بتمكينهم سياسيًا واقتصاديًا، وضمان مشاركتهم في صنع القرار، وكسر الإقصاء الذي عانوا منه لعقود.

نتائج الثورة وتداعياتها

نتائج سياسية

أهم نتيجة مباشرة للثورة كانت إنهاء حكم علي عبد الله صالح بعد أكثر من ثلاثة عقود في السلطة. ففي نوفمبر 2011، أُجبر صالح على التوقيع على المبادرة الخليجية التي نقلت السلطة إلى نائبه عبد ربه منصور هادي، لتنتهي بذلك مرحلة الحكم الفردي رسميًا، حتى وإن بقي صالح لاعبًا سياسيًا في الكواليس خلال المرحلة التالية.

كما أدّت الثورة إلى كسر احتكار السلطة الذي استمر لعقود، وفتحت المجال أمام مرحلة انتقالية اعترفت – نظريًا – بمشاركة أوسع للقوى السياسية، خصوصًا الشباب، وإن بقيت هذه المشاركة محدودة في التطبيق.

المرحلة الانتقالية

أُجريت الانتخابات الرئاسية في فبراير 2012، وأسفرت عن انتخاب عبد ربه منصور هادي رئيسًا توافقيًا في اقتراع بمرشح واحد. ورغم أن الانتخابات لم تكن تنافسية، فإنها مثّلت انتقالًا سلميًا للسلطة لأول مرة في تاريخ اليمن الحديث.

كما تشكّلت حكومة وفاق وطني ضمّت المؤتمر الشعبي العام وأحزاب اللقاء المشترك، وهو ما عكس محاولة لتجنّب الانزلاق إلى حرب أهلية في تلك المرحلة، لكنه في الوقت ذاته أبقى جزءًا كبيرًا من بنية النظام السابق قائمًا.

الحوار الوطني

من أبرز نتائج الثورة إطلاق مؤتمر الحوار الوطني الشامل (2013–2014)، الذي ضم مختلف القوى السياسية والاجتماعية، بما فيها الشباب والمرأة والحراك الجنوبي والحوثيون. خرج المؤتمر بوثيقة تضمنت مبادئ تتعلق بشكل الدولة، والحقوق والحريات، والعدالة الانتقالية، وقضية الجنوب، وبناء دولة اتحادية.

ورغم الأهمية التاريخية للحوار، فإن مخرجاته لم تُطبّق، بسبب الخلافات السياسية، وضعف الدولة، واستمرار نفوذ القوى المسلحة.

فشل تحقيق المطالب الاقتصادية والمعيشية

اقتصاديًا، لم تُحقّق الثورة تحسنًا ملموسًا في حياة المواطنين. بل على العكس، دخل الاقتصاد اليمني في مرحلة تدهور حاد نتيجة الاضطرابات السياسية، وتراجع الاستثمارات، وارتفاع البطالة والفقر، وضعف الخدمات الأساسية.

وعجزت الحكومات المتعاقبة خلال المرحلة الانتقالية عن تنفيذ إصلاحات حقيقية، ما أفقد الشارع الثقة بالمسار السياسي الجديد.

استمرار نفوذ الدولة العميقة

من النتائج السلبية للثورة أن شبكات النفوذ القديمة لم تُفكك. بقيت مراكز القوى العسكرية والقبلية والسياسية فاعلة، وعملت على إجهاض كثير من مسارات التغيير، مستفيدة من ضعف القيادة الانتقالية والانقسامات السياسية.

هذا الواقع جعل الثورة تغيّر رأس النظام، لكنها لم تنجح في تغيير بنية الحكم بشكل جذري.

الصراع المسلح

أخطر نتائج الثورة غير المكتملة كان انهيار التوازن السياسي لاحقًا، ما مهّد الطريق لسيطرة جماعة الحوثي على صنعاء في سبتمبر 2014، ثم اندلاع الحرب الشاملة، ودخول اليمن في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

 

لم تكن نتائج ثورة فبراير اليمنية انتصارًا كاملًا ولا فشلًا مطلقًا، بل مسارًا معقّدًا كشف عمق أزمة الدولة اليمنية…