تشهد إيران واحدة من أكثر اللحظات اضطرابًا في تاريخها الحديث، مع تصاعد موجة احتجاجات واسعة النطاق اندلعت شرارتها من أزمات معيشية خانقة، قبل أن تتحول سريعًا إلى تحدٍ سياسي يمس جوهر النظام الحاكم.
فبين جفاف الأنهار، وانقطاع الكهرباء، وتآكل قيمة العملة، باتت الحياة اليومية للمواطن الإيراني مرآة لانهيارات أعمق تضرب بنية الدولة وقدرتها على الاستمرار.
الاحتجاجات الأخيرة، التي امتدت إلى عدد كبير من المدن والأقاليم، جاءت في توقيت بالغ الحساسية، حيث يواجه النظام الإيراني، وفق تقديرات مراقبين، أضعف مراحله منذ عقود.
فقد أسفرت الاضطرابات عن سقوط قتلى واعتقال مئات المتظاهرين، في مشهد يعكس اتساع فجوة الثقة بين الشارع والسلطة، وتحول الغضب الاجتماعي إلى مواجهة مفتوحة مع النظام السياسي ذاته.

وتشير تحليلات سياسية غربية، من بينها تقرير نشرته مجلة أمريكية، إلى أن ما يحدث في إيران لم يعد مجرد احتجاج على غلاء الأسعار أو تدهور الخدمات، بل تعبير عن أزمة بنيوية شاملة تضرب ركائز الحكم الأساسية، وعلى رأسها الكفاءة الاقتصادية، والقدرة على فرض السيطرة الداخلية، فضلًا عن تراجع الردع الخارجي.
وتزامن اهتزاز هذه الركائز الثلاث في وقت واحد خلق وضعًا غير مسبوق يضع النظام أمام اختبار وجودي حقيقي.
في قلب هذه الأزمة، تبرز مشكلة المياه بوصفها أحد أخطر التحديات. فإيران، التي يزيد عدد سكانها على 90 مليون نسمة، تعاني أسوأ موجة جفاف منذ أكثر من نصف قرن.
انهارت طبقات المياه الجوفية، وجفّت أنهار رئيسية، وفرضت السلطات سياسات صارمة لترشيد الاستهلاك في العديد من المدن.
غير أن هذه الأزمة البيئية لم تُدار باعتبارها نتيجة سياسات داخلية خاطئة، بل جرى توجيه الاتهام إلى أطراف خارجية، في محاولة لنقل المسؤولية بعيدًا عن صناع القرار.
أزمة المياه لم تقف عند حدود العطش، بل امتدت لتضرب قطاع الطاقة. فشبكة الكهرباء الإيرانية تعتمد بشكل كبير على بنية تحتية كثيفة الاستهلاك للمياه، ما جعلها عرضة للانهيار مع انخفاض منسوب الخزانات.

ونتيجة لذلك، أصبحت الانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي جزءًا من الحياة اليومية، مع ما تحمله من تعطيل للأعمال والخدمات، وتحويل الفشل الخدمي إلى وقود مباشر للاحتجاجات.
لكن هذه الأزمات الخدمية ليست سوى أعراض لمشكلة أعمق تتعلق بالاقتصاد والتمويل.
فقد أدت العقوبات الأمريكية المشددة، خاصة تلك المفروضة على القطاع المصرفي، إلى عزل إيران فعليًا عن النظام المالي العالمي.
واضطرت طهران إلى الاعتماد على شبكات مالية غير رسمية في عدد من المراكز التجارية، وهي شبكات بالكاد تحافظ على الحد الأدنى من التدفقات المالية، لكنها في الوقت نفسه تُفاقم هروب رؤوس الأموال وتُضعف قدرة الدولة على التحكم في الاقتصاد.
وفي ظل هذا الوضع، بات البنك المركزي الإيراني عاجزًا عن تثبيت سعر العملة أو كبح جماح التضخم.
ومع فقدان الوصول المنتظم إلى العملات الصعبة، تحولت السياسة النقدية إلى أداة محدودة التأثير، بينما استمرت الأسعار في الارتفاع بوتيرة متسارعة.

وتشير البيانات الرسمية إلى معدلات تضخم مرتفعة، انعكست بوضوح على أسعار الغذاء والدواء، ما جعل تأمين الاحتياجات الأساسية عبئًا يوميًا على الأسر.
القطاع النفطي، الذي يمثل العمود الفقري لمالية الدولة، لم يسلم هو الآخر من التداعيات.
فبسبب العقوبات، تقلصت دائرة مشتري النفط الإيراني بشكل حاد، لتصبح دولة واحدة تقريبًا الوجهة الرئيسية للصادرات. هذا الاعتماد شبه الكامل أضعف موقف طهران التفاوضي، وفرض عليها قبول خصومات وتأجيل في المدفوعات، وأحيانًا ترتيبات مقايضة بدلًا من النقد، ما زاد من هشاشة الوضع المالي.
وأدى هذا الخلل إلى تشوه هيكل الموازنة العامة، حيث باتت بعض مؤسسات الدولة تتلقى مخصصاتها جزئيًا في صورة شحنات نفطية بدلًا من أموال سائلة، لتتولى بنفسها مهمة بيعها في السوق. هذا الوضع خلق منافسة داخلية بين الجهات الحكومية، وخفّض العائدات الإجمالية، وعمّق أزمة الثقة في إدارة الموارد.
في الوقت ذاته، يعاني الريال الإيراني من انهيار حاد، مع وجود فجوة واسعة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية. هذا الفارق لا يشوه الاقتصاد فحسب، بل يقوض قدرة الدولة على التخطيط والجباية وضبط الأسعار.
ومع فقدان العملة لوظيفتها كمخزن للقيمة، تتآكل المدخرات، وتتجه الأسر نحو نمط “البقاء” بدل التخطيط للمستقبل.
وتزيد الأولويات الخارجية للنظام من حدة الأزمة، إذ تستمر طهران في تخصيص موارد كبيرة لدعم حلفائها الإقليميين، في وقت يعاني فيه الداخل من نقص الاستثمار وتراجع الخدمات. هذا التناقض يعزز شعور الشارع بأن أعباء السياسة الخارجية تُدفع من جيوب المواطنين.
في العمق، تكشف هذه التطورات عن نظام يجد صعوبة في الاعتراف بالأخطاء أو تصحيح المسار. فبدلًا من مراجعة السياسات، غالبًا ما يكون الرد هو الإنكار أو القمع، ما يزيد من تراكم الغضب الشعبي.
ويرى محللون أن النظام قد ينجح في تجاوز هذه المرحلة مؤقتًا، لكن بثمن باهظ يتمثل في استنزاف قدرته على البقاء على المدى الطويل، وتحول إدارة الأزمات إلى مسار دائم من التراجع بدل التعافي.