مع دخول العام 2026، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه أمام أجندة خارجية مزدحمة بالملفات الشائكة، رغم محاولاته المتواصلة لتكريس صورة “صانع السلام” خلال العام الماضي.
فبين طموح إنهاء النزاعات الدولية الكبرى، وواقع الأزمات المتشابكة، تبدو السياسة الخارجية الأمريكية مقبلة على اختبارات حقيقية قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة داخليًا وخارجيًا.

وخلال العام الأول من ولايته الثانية، كثّف ترامب تحركاته الدبلوماسية على أكثر من جبهة، ساعيًا إلى لعب دور الوسيط في نزاعات طال أمدها.
تحركات شملت التواصل مع قادة دوليين فاعلين، في مقدمتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في محاولة لاحتواء أزمات أوكرانيا وغزة، باعتبارهما من أكثر الملفات اشتعالًا على الساحة الدولية.
وتؤكد الإدارة الأمريكية أن هذه الجهود تأتي ضمن إطار سياسة “أمريكا أولًا”، التي ترى أن استقرار النظام الدولي يخدم في النهاية المصالح الاستراتيجية والاقتصادية للولايات المتحدة.
غير أن هذا التوجه لم يسلم من الانتقادات، حتى داخل الحزب الجمهوري نفسه، حيث يرى منتقدون أن التركيز المكثف على السياسة الخارجية قد يتعارض مع أولويات المواطن الأمريكي، لا سيما في ظل ضغوط معيشية متزايدة واقتراب انتخابات التجديد النصفي.

تتصدر الحرب في أوكرانيا قائمة الملفات العالقة، مع دخولها عامها الرابع دون بوادر حقيقية للحل.
ورغم محاولات الوساطة الأمريكية، لا تزال موسكو متمسكة بمواقفها الصارمة، رافضة أي وقف لإطلاق النار دون تسوية شاملة تضمن مطالبها، بينما تواصل هجماتها بالطائرات المسيّرة والصواريخ.
في المقابل، تصر كييف على عدم تقديم تنازلات تمس سيادتها، سواء فيما يتعلق بالأراضي أو بطموح الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي.
وتبقى منطقة دونباس الشرقية محور الخلاف الأبرز، حيث تطالب روسيا بالسيطرة الكاملة عليها، بينما تحاول أوكرانيا طرح مقترحات وسطية، من بينها منح بعض المناطق وضعًا خاصًا أو تحويلها إلى مناطق منزوعة السلاح، دون أن تحقق هذه الطروحات اختراقًا فعليًا.

في الشرق الأوسط، يواجه اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تحديات كبيرة تهدد استمراره.
ورغم نجاح الجهود الأمريكية في التوصل إلى هدنة خففت من حدة القتال بعد حرب طويلة، فإن الانتقال إلى المراحل التالية من الاتفاق يظل معقدًا.
العقبة الأبرز تتمثل في مسألة نزع سلاح حركة حماس، وهو ما ترفضه الحركة بشكل قاطع، مؤكدة تمسكها بما تصفه بحق “المقاومة”.
كما تطرح فكرة نشر قوة دولية لضمان الاستقرار بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، إلا أن هذا المقترح لم يحظَ حتى الآن بدعم دولي كافٍ، ما يترك مستقبل القطاع معلقًا على احتمالات متعددة.

في أمريكا اللاتينية، صعّد ترامب ضغوطه على حكومة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، عبر إجراءات اقتصادية مشددة وعمليات استهداف لمنشآت مرتبطة بتهريب المخدرات.
هذا النهج أثار جدلًا واسعًا داخل الولايات المتحدة، خاصة مع تلميحات متكررة إلى أن الخيار العسكري لا يزال مطروحًا.
ويخشى تيار داخل معسكر “أمريكا أولًا” من أن يؤدي إسقاط النظام الفنزويلي إلى زعزعة استقرار المنطقة، وجر واشنطن إلى صراع طويل ومكلف.
وتُظهر استطلاعات الرأي أن غالبية الأمريكيين تعارض أي تدخل عسكري مباشر في فنزويلا.

الملف الإيراني لا يقل تعقيدًا، في ظل تصاعد المخاوف من عودة التوتر بعد الضربات الأمريكية–الإسرائيلية التي استهدفت منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي والصاروخي الإيراني.
ورغم إعلان ترامب حينها تقويض قدرات إيران النووية، تشير تقارير إلى محاولات إيرانية لإعادة بناء البرنامج، ما يفتح الباب أمام احتمالات مواجهة جديدة.
هذا الملف يمثل نقطة خلاف داخل القاعدة الشعبية لترامب، حيث يعارض كثير من أنصاره الانخراط في نزاعات جديدة بالشرق الأوسط، خشية التورط في حرب مفتوحة.

أما العلاقة مع الصين، فتسير على خيط رفيع من التهدئة الحذرة. فرغم التوصل إلى هدنة تجارية مؤقتة، لا تزال الشكوك قائمة في واشنطن بشأن التزام بكين بتعهداتها، سواء فيما يتعلق بالحد من تصدير المواد المرتبطة بصناعة الفنتانيل أو بزيادة وارداتها من المنتجات الزراعية الأمريكية.
وتتفاقم المخاوف مع تصاعد التوتر حول تايوان، في ظل تدريبات عسكرية صينية تحاكي فرض حصار على الجزيرة، وردود أمريكية تعتبر بكين تهديدًا استراتيجيًا متناميًا.
في المحصلة، تقف السياسة الخارجية لترامب عند مفترق طرق خلال 2026، بين رغبته في صناعة إرث تاريخي كصانع سلام، وواقع دولي معقد يفرض عليه إدارة أزمات متعددة في آن واحد.
ويبقى التحدي الأكبر هو تحقيق هذا الدور الخارجي دون دفع ثمن سياسي داخلي، في وقت تتزايد فيه هموم الأمريكيين الاقتصادية، وتتراجع فيه رغبتهم في خوض مغامرات خارجية طويلة الأمد.