دراسات وأبحاث

حدود ملتهبة دون حرب.. لماذا يتصاعد التوتر بين باكستان وأفغانستان؟

الجمعة 02 يناير 2026 - 12:04 ص
جهاد جميل
الأمصار

مع دخول عام 2026، تعود الحدود الأفغانية  الباكستانية إلى واجهة التوتر الإقليمي، بوصفها واحدة من أكثر الجبهات هشاشة في جنوب آسيا. 

فعلى الرغم من غياب مؤشرات لحرب شاملة بين البلدين، فإن المشهد الميداني يعكس تصعيدًا متدرجًا تحكمه حسابات أمنية معقدة وتشابك مصالح داخلية وإقليمية، ما يجعل المنطقة عالقة في دائرة من الجمود المتوتر.

وتشير التقديرات إلى أن هذا التصعيد لا ينفصل عن تآكل فرص التسوية السياسية، رغم تعدد محاولات الوساطة الإقليمية والدولية، في ظل واقع أمني يتسم بتكرار الاشتباكات الحدودية وازدياد الضربات المتبادلة.

حدود مشتعلة وتصعيد محسوب

شهدت الحدود بين باكستان وأفغانستان خلال العام الماضي تصاعدًا ملحوظًا في عمليات إطلاق النار والغارات الجوية، لتتحول إلى ساحة اشتباك مفتوحة منخفضة الوتيرة.

وبحسب مراقبين، يعتمد الطرفان نمط “التصعيد المدار”، الذي يسمح بإرسال رسائل عسكرية واضحة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكون كلفتها باهظة.

ويعكس هذا النمط رغبة متبادلة في الحفاظ على أدوات الضغط العسكري، مع تفادي تداعيات الحرب المباشرة، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والأمنية التي تواجهها باكستان، وسعي طالبان في أفغانستان إلى تثبيت حكمها ومنع أي اهتزاز داخلي.

اتهامات متبادلة وملف الجماعات المسلحة

تتهم إسلام آباد حركة طالبان الأفغانية بالسماح للجماعات المسلحة، وعلى رأسها “طالبان باكستان” و”جيش تحرير بلوشستان”، باستخدام الأراضي الأفغانية كمنطلق لتنفيذ هجمات داخل باكستان.

وتقول السلطات الباكستانية إن هذه الهجمات باتت تمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، ما دفعها إلى تكثيف الرد العسكري عبر ضربات جوية وعمليات محدودة عبر الحدود.

في المقابل، ترفض طالبان هذه الاتهامات، مؤكدة أن باكستان تحاول تحميل كابول مسؤولية إخفاقاتها في معالجة أزماتها الأمنية الداخلية. كما أدانت الحركة الغارات الجوية الباكستانية داخل الأراضي الأفغانية، واعتبرتها انتهاكًا صارخًا للسيادة الوطنية.

مفارقة التحالف القديم

تكمن المفارقة الأساسية في أن باكستان كانت، لعقود طويلة، من أبرز الداعمين لحركة طالبان، وساهمت في تمكينها سياسيًا وأمنيًا، سواء خلال التسعينيات أو أثناء الوجود الأمريكي في أفغانستان. غير أن عودة طالبان إلى الحكم لم تحقق لإسلام آباد ما كانت تسعى إليه من “عمق استراتيجي”.

فعوضًا عن ذلك، تحولت أفغانستان إلى مصدر ضغط أمني متزايد، مع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة العابرة للحدود، وهو ما دفع محللين إلى القول إن الرهان الباكستاني على طالبان انقلب إلى عبء استراتيجي يصعب احتواؤه.

استراتيجية باكستان متعددة المراحل

تعتمد باكستان حاليًا استراتيجية متعددة المراحل لمواجهة تهديد “طالبان باكستان”. المرحلة الأولى تمثلت في تسهيل عودة طالبان الأفغانية إلى الحكم، على أمل دفع العناصر المسلحة خارج الأراضي الباكستانية. إلا أن هذه المقاربة لم تحقق نتائج ملموسة.

أما المرحلة الثانية، فارتبطت بمحاولات إعادة توطين عناصر “طالبان باكستان” بعيدًا عن الحدود، لكنها فشلت بدورها. وفي المرحلة الثالثة، لجأت إسلام آباد إلى تكثيف الضربات الجوية واستخدام الطائرات المسيرة داخل جنوب أفغانستان، في محاولة لدفع المسلحين شمالًا.

وتتمثل المرحلة الرابعة في دعم قوى أفغانية معارضة لطالبان، بهدف خلق ضغط داخلي يحد من قدرة الحركة على توفير ملاذ آمن للجماعات المسلحة، وهو خيار ينطوي على مخاطر إقليمية واسعة.

أدوار إقليمية وحسابات دولية

على المستوى الإقليمي، تحاول عدة قوى لعب دور الوسيط لتفادي انفجار الأوضاع.

 وتعد الصين الطرف الأكثر قلقًا من أي تصعيد واسع، نظرًا لمشروعاتها الاقتصادية الضخمة في باكستان، وعلى رأسها الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني، فضلًا عن مخاوفها من انتقال عدم الاستقرار إلى أراضيها.

وتتبنى بكين سياسة متوازنة، تدعو إلى ضبط النفس دون توجيه اتهامات مباشرة، مستفيدة من نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي.

 كما تشارك روسيا وإيران هذا القلق، وتسعيان إلى خفض التصعيد عبر الحوار، مع اختلاف دوافع كل منهما.

الهند.. المستفيد الصامت

في خضم هذا المشهد المعقد، تبدو الهند المستفيد الأكبر من استمرار التوتر بين باكستان وأفغانستان. 

فاستنزاف إسلام آباد أمنيًا يحد من قدرتها على التركيز على الصراع التقليدي مع نيودلهي، كما يفتح المجال أمام توسع النفوذ الهندي في أفغانستان وآسيا الوسطى.

2026.. عام الجمود المتوتر

في ضوء تعارض المصالح وتشابك الحسابات، تبدو فرص الحل الدبلوماسي خلال 2026 محدودة. فباكستان تطالب بالقضاء على “طالبان باكستان”، وهو مطلب يصعب على كابول تلبيته دون المخاطرة بانقسامات داخلية. وفي المقابل، ترى طالبان في هذه الجماعات ورقة ضغط وضمانة مستقبلية.

وبين هذا وذاك، يرجح أن يستمر الجمود الأمني خلال العام الجديد، مع تصاعد الضربات الجوية واندلاع اشتباكات حدودية متكررة، في مشهد يعكس تصعيدًا بلا حرب شاملة، لكنه يحمل في طياته مخاطر دائمة على استقرار المنطقة.