دراسات وأبحاث

توقعات 2026.. هل الذهب سيظل الملاذ الآمن للادخار؟

الخميس 01 يناير 2026 - 03:24 م
نرمين عزت
الأمصار

حقق الذهب ارتفاعًا غير مسبوق في عام 2025، حيث وصل سعر الأوقية عالميًا إلى مستويات قياسية تتجاوز 4500 دولار بنهاية العام، بزيادة سنوية تقارب 70%، وهو أكبر ارتفاع سنوي منذ عقود.

الذهب يُعد ملاذًا آمنًا في أوقات عدم اليقين، والعديد من الأحداث الكبرى في 2025، من توتر جيوسياسي إلى تباطؤ اقتصادي عالمي، دفع المستثمرين نحو الذهب كأصل يحافظ على القيمة. 

شهد عام 2025 أداءً استثنائيًا للأسواق المالية والأصول العالمية، ليكون بلا شك عامًا استثنائيًا للمستثمرين الذين تمكنوا من الاستفادة من هذه الطفرة الاقتصادية. فقد سجلت أسواق الأسهم العالمية مكاسب ضخمة بلغت 27 تريليون دولار منذ بداية العام، أي ما يعادل حجم اقتصادات الصين واليابان وألمانيا مجتمعة خلال عام كامل.

البنوك المركزية حول العالم، خصوصًا في الصين والهند وروسيا وغيرها، قامت بزيادة احتياطياتها من الذهب بشكل كبير في 2024–2025 مما خفض المعروض وزاد الطلب.

توقعات خفض أسعار الفائدة من قبل البنك الاحتياطي الأمريكي والبنوك المركزية الكبرى جعلت الذهب أكثر جاذبية كاستثمار بديل، لأن الفائدة المنخفضة تُضعف العائد على السندات وتُقوّي جاذبية الذهب.

انخفاض الدولار الأمريكي مقابل العملات الأخرى دفع المستثمرين غير الأمريكيين للمزايدة على الذهب.

تزايد التوترات في الشرق الأوسط وأوروبا والتنافس التجاري بين القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين عزز الطلب على الذهب كأصل آمن. 

هذا النوع من المخاطر يدفع المستثمرين إلى التخفيف من حيازاتهم من الأصول الحساسة للسوق مثل الأسهم. 

التضخم في العديد من الاقتصادات بقي أعلى من المستهدف، مما دفع المستثمرين للبحث عن أصول تحفظ القيمة الحقيقية، مثل الذهب. 

الذهب في عام 2026

عام 2025 كان واحدًا من أكثر الأعوام تميزًا في تاريخ أسعار الذهب، حيث حقق المعدن الأصفر ارتفاعات قياسية مدعومة بعوامل اقتصادية وسياسية كبرى على المستويين العالمي والمحلي.

يدخل الذهب عام 2026 وهو محمّل بزخم قوي تشكّل خلال عام 2025، الذي يُعد من أكثر الأعوام استثنائية في تاريخ المعدن النفيس، بعدما سجلت الأسعار مستويات قياسية غير مسبوقة مدفوعة بعوامل اقتصادية وجيوسياسية معقدة. هذا الأداء اللافت جعل الذهب في صدارة الأصول الاستثمارية، وطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل أسعاره خلال العام الجديد: هل يستمر الصعود؟ أم تدخل الأسعار مرحلة تصحيح بعد موجة الارتفاع الحادة؟

تشير غالبية التقديرات الصادرة عن مؤسسات مالية وبنوك استثمار عالمية إلى أن الاتجاه العام لأسعار الذهب في 2026 سيظل صعوديًا، وإن بوتيرة أهدأ نسبيًا مقارنة بعام 2025. فبعد أن تجاوز الذهب مستويات تاريخية خلال العام الماضي، أصبح مدعومًا بأساسيات قوية يصعب تجاهلها، أبرزها استمرار الطلب الاستثماري المرتفع، وتنامي دور الذهب كأداة تحوّط في مواجهة المخاطر العالمية.

العامل الأكثر تأثيرًا في توقعات 2026 يتمثل في سياسات البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. فمع تزايد التوقعات بإبقاء أسعار الفائدة عند مستويات منخفضة نسبيًا أو الاتجاه إلى خفضها تدريجيًا، تتراجع جاذبية الأصول ذات العائد الثابت مثل السندات، مقابل صعود جاذبية الذهب بوصفه أصلًا لا يرتبط بعائد فائدة، لكنه يحتفظ بالقيمة على المدى الطويل. هذا التحول في السياسة النقدية العالمية يشكّل أحد أهم محركات الطلب على الذهب خلال الفترة المقبلة.

في السياق ذاته، تواصل البنوك المركزية في عدد كبير من الدول، خاصة في الأسواق الناشئة، تعزيز احتياطياتها من الذهب ضمن استراتيجيات تنويع الأصول وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي. هذا التوجه، الذي تسارع خلال 2024 و2025، مرشح للاستمرار في 2026، ما يعني وجود طلب مؤسسي قوي ومستدام على المعدن الأصفر، يحدّ من فرص حدوث تراجعات حادة في الأسعار.

ولا يمكن فصل توقعات الذهب في 2026 عن المشهد الجيوسياسي العالمي، الذي لا يزال يتسم بدرجة عالية من عدم اليقين. فاستمرار التوترات في عدد من المناطق، وتصاعد المنافسة الاقتصادية والتجارية بين القوى الكبرى، يعزز من مكانة الذهب كملاذ آمن يلجأ إليه المستثمرون في أوقات القلق. تاريخيًا، كلما زادت حالة عدم الاستقرار العالمي، ارتفعت شهية الأسواق تجاه الذهب، وهو ما يرجّح استمرار الدعم السعري خلال العام المقبل.

على الجانب الآخر، لا تستبعد التحليلات حدوث فترات من التذبذب أو التصحيح السعري خلال 2026، خاصة بعد الارتفاعات القوية التي تحققت بالفعل. فقد تدفع عمليات جني الأرباح، أو صدور بيانات اقتصادية إيجابية بشكل مفاجئ، أو عودة التشدد النقدي في بعض الاقتصادات، إلى تراجعات مؤقتة في الأسعار. إلا أن هذه التراجعات، وفقًا للتقديرات، ستكون محدودة نسبيًا ولن تغيّر الاتجاه العام الصاعد، بل قد تمثل فرصًا لإعادة بناء مراكز استثمارية جديدة.

أما على صعيد السوق المصري، فإن أسعار الذهب المحلية في 2026 ستظل مرتبطة بشكل مباشر بحركة السعر العالمي، إلى جانب عامل سعر صرف الجنيه أمام الدولار. وفي حال استمرار ارتفاع الذهب عالميًا، فإن السوق المحلية ستشهد بدورها مستويات سعرية مرتفعة، خاصة لعياري 21 و24، حتى مع استقرار نسبي في الطلب الاستهلاكي. كما سيظل الذهب أداة ادخار رئيسية لدى شريحة واسعة من المصريين، خصوصًا في ظل البحث عن أوعية تحافظ على القيمة في مواجهة التضخم.

في المحصلة، تبدو توقعات الذهب في عام 2026 إيجابية على المدى المتوسط والطويل، مدعومة بمزيج من العوامل الاقتصادية والنقدية والجيوسياسية. ورغم احتمالات التذبذب، فإن المعدن الأصفر مرشح للحفاظ على مكانته كأحد أهم أدوات التحوّط والاستثمار في النظام المالي العالمي، مع بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة تاريخيًا مقارنة بالسنوات السابقة.