من اليونسكو إلى الإيسيسكو.. الإمارات تعزز حضورها في قوائم التراث
من "اليونسكو" إلى "الإيسيسكو"، تعزز الإمارات حضورها الثقافي عالميا وإسلاميا عبر إدراج المزيد من مواقعها في قوائم التراث بالمنظمتين.
وتم إدراج محمية وادي الوريعة بالفجيرة في قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، السبت، وذلك بعد عدة شهور من إدراج خمسة مواقع أثرية من دولة الإمارات على قائمة التراث المادي لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة "الإيسيسكو" فبراير/ شباط الماضي.
إنجازات تتوالى تعكس عمق الإرث الثقافي لدولة الإمارات وحرصها على حماية مواقعها التاريخية والطبيعية وصونها، ويؤكد مكانتها كعضو فاعل ومؤثر في الجهود التي تقودها منظمتي اليونسكو والإيسيسكو للحفاظ على التراث في العالم بشكل عام والعالم الإسلامي بشكل خاص.
وبإضافة المزيد من المواقع في قائمتي التراث بالمنظمتين، يتعزز حضور التراث الإماراتي في القوائم الدولية، عبر توثيق المواقع التاريخية، ودعم المبادرات التي تعزز استدامة التراث وحمايته للأجيال القادمة، الأمر الذي يعكس نهجًا مستدامًا في حماية الإرث الحضاري وتوثيقه وتعزيز حضوره على المستويين الإقليمي والدولي.
محمية وادي الوريعة.. ثالث موقع في قائمة اليونسكو
ضمن أحدث تلك الإنجازات، تم اعتماد إدراج محمية وادي الوريعة بالفجيرة في قائمة التراث العالمي لليونسكو خلال الدورة الـ 48 للجنة التراث العالمي التي تتواصل أعمالها في مدينة بوسان بكوريا الجنوبية خلال الفترة من 19 إلى 29 يوليو/ تموز الجاري.
يأتي هذا الاعتراف الدولي من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" تقديرًا للأهمية الدولية لمحمية وادي الوريعة بإمارة الفجيرة، كموقع طبيعي هام بين مواقع التراث الطبيعي العالمي.
ويشكل هذا الإدراج محطة تاريخية لدولة الإمارات، كونه يمثل أول موقع طبيعي للتراث العالمي في الدولة، وثالث موقع يتم إدراجه في قائمة اليونسكو، حيث سبق انضام "العين" عام 2011 و"جبل الفاية" عام 2025 ضمن فئة التراث الثقافي بقائمة اليونسكو.
ولا يُعد"وادي الوريعة" مجرد محمية طبيعية، بل منظومة بيئية متكاملة تمتد على مساحة 220 كم2.
ويحتضن الوادي تنوعاً أحيائياً هو الأغنى في دولة الإمارات، إذ يضم مئات الأنواع من النباتات والحيوانات، من بينها أنواع نادرة ومتوطنة لا توجد في أي مكان آخر في البلاد.
بلغة الارقام، تضم المحمية أكثر من 1099 نوعا من الكائنات الحية، موزعة بين 216 نوعا من النباتات، و883 نوعا من الحيوانات، لتشمل 20 نوعا من الثدييات، و114 نوعا من الطيور، و27 نوعا من الزواحف، ونوعين من البرمائيات، ونوعين من أسماك المياه العذبة، وأكثر من 700 نوع من اللافقاريات.
ويمثل الوادي محطة مهمة للبحث العلمي، إذ أسهمت الدراسات البيئية في إعادة اكتشاف أنواع نادرة من الكائنات الحية، وتوثيق وجودها داخل المحمية وسميت باسمها بعد اكتشافها، بما يعزز مكانة الوادي بوصفه مختبراً طبيعياً لدراسة التنوع الحيوي في المنطقة.
وتنتشر في أرجاء الوادي أنواع نباتية نادرة مثل السحلبية البرية Epipactis veratrifolia، التي تُعد الوحيدة المسجلة في دولة الإمارات، إلى جانب نباتات مائية مثل Cladium mariscus، وهي من الأنواع المهددة بالانقراض عالمياً.
وعلى مستوى الحياة البرية، يعتبر الوادي موطناً للطهر العربي المهدد بالانقراض، إضافة إلى حيوانات الوشق العربي، وثعلب بلانفورد، وعدد من الطيور الجبلية النادرة، فضلاً عن أسماك المياه العذبة المتوطنة في مجاري الوديان مثل Garra barreimiae التي تعيش فقط في بيئات جبال الحجر.
ولا تقتصر القيمة العلمية للمحمية على الثراء الحيوي، بل تتجاوزه إلى الخصائص الجيولوجية الفريدة ضمن سلسلة جبال الحجر، حيث تسهم التكوينات الصخرية والأودية والينابيع الدائمة في تغذية المياه الجوفية وتنظيم الدورة الهيدرولوجية.
يتربع الوادي في عمق جبال الحجر الشرقية شمال إمارة الفجيرة، على بُعد نحو 45 كيلومتراً من المدينة، كأحد أبرز الكنوز الطبيعية في دولة الإمارات، حيث تلتقي الينابيع والجداول (القنوات) المائية، بالتنوع الحيوي الفريد، في مشهد يجسد ثراء البيئة الإماراتية ويعكس التزامها الراسخ بحماية التراث الطبيعي.
وتحافظ المحمية على أكثر من 69 موطنا دائما للمياه العذبة موزعة على تسعة أنواع من الأراضي الرطبة، لتوفر ملاذات بيئية مستقرة تدعم استدامة العمليات البيئية وتبرز أهمية النظم البيئية الجبلية الجافة في مواجهة تحديات التغير المناخي والحفاظ على موارد المياه.
ويتميز الوادي بشلاله الطبيعي الدائم وعيونه المائية، التي شكّلت على مدى قرون مصدراً للحياة في هذه المنطقة الجبلية، وأسهمت في تكوين نظام بيئي استثنائي، ويحتضن نباتات نادرة، من أبرزها زهرة الأوركيد البرية (إبيباكتيس فيراتريفوليا)، التي تُعد الوحيدة من نوعها في دولة الإمارات.
ويُعد الوادي أول محمية جبلية وطنية في الدولة، وأحد أبرز المواقع الطبيعية على مستوى منطقة الخليج العربي نظرا لما يتمتع به من خصائص نادرة تجمع بين التضاريس الجبلية القاسية والمياه العذبة الجارية على مدار العام.
ولا تقتصر أهمية الوادي على قيمته البيئية، بل يمتد حضوره إلى البعد التاريخي والثقافي، إذ ارتبط عبر مئات السنين بحياة المجتمعات المحلية، ويجاور عدداً من المعالم التاريخية البارزة، من بينها مسجد البدية، أقدم مسجد قائم في دولة الإمارات، في صورة تعكس العلاقة المتجذرة بين الإنسان والطبيعة في الفجيرة.
ويبرز هذا الإرث الطبيعي والعلمي والبيئي اليوم في صدارة الاهتمام الدولي، مع إدراج وادي الوريعة رسميا على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، باعتباره موقعاً طبيعياً ذا قيمة عالمية استثنائية.
وبهذا الإنجاز يرسخ إدراج محمية وادي الوريعة الوطنية ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" مكانة دولة الإمارات العربية المتحدة وإمارة الفجيرة كوجهة رائدة للسياحة المستدامة، ليمثل هذا الإنجاز اعترافا علميا وعالميا بالقيمة البيئية والجيولوجية الاستثنائية للموقع.
كما يعزز هذا الإدراج العالمي مكانة وادي الوريعة كمختبر طبيعي مفتوح للأبحاث البيئية والجيولوجية، فاتحا آفاقا أوسع للتعاون العلمي الدولي في مجالات التنوع الحيوي، والتغير المناخي، والهيدرولوجيا، واستعادة الأنواع المهددة.
5 مواقع أثرية بقائمة الإيسيسكو
يأتي هذا الإنجاز بعد نحو 5 شهور، من إدراج خمسة مواقع أثرية من دولة الإمارات على قائمة التراث المادي لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة "الإيسيسكو"، وذلك خلال أعمال الدورة الثالثة عشرة للجنة التراث في العالم الإسلامي في جمهورية أوزبكستان فبراير/ شباط الماضي.
وشملت المواقع الإماراتية التي تم إدراجها على قائمة الإيسيسكو موقع ساروق الحديد في إمارة دبي، وأربعة مواقع في إمارة الشارقة هي موقع الفاية في المنطقة الوسطى، والأبراج والحصون التاريخية في خورفكان، ومنطقة النحوة، ووادي الحلو.
موقع ساروق الحديد
يُعد موقع ساروق الحديد في إمارة دبي من أبرز المواقع الأثرية، إذ يقع في صحراء دبي، على بُعد نحو 95 كيلومترًا من المدينة، ويعود اكتشافه إلى عام 2002، حين لاحظ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي خلال رحلة جوية، آثارًا سوداء في الكثبان الرملية، تبيّن لاحقًا أنها بقايا خبث معدني ناتج عن عمليات صهر قديمة.
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن الموقع يعود إلى عصر البرونز المبكر "2600 قبل الميلاد"، واستمر نشاطه حتى العصر الحديدي المتأخر "550 قبل الميلاد"، ما يجعله من أغنى مواقع التعدين والصناعة المعدنية في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية.
وقد كشفت الحفريات عن آلاف القطع الأثرية، شملت أدوات برونزية وفخارية وحجرية، وأسلحة متنوعة، ومشغولات ذهبية وفضية، وأختامًا وخرزًا، إضافةً إلى نماذج معدنية لأفاعٍ، ما يؤكد مكانة الموقع كمركز صناعي متقدم لصهر المعادن خلال العصر الحديدي.
وادي الحلو.. شاهد على تعدين النحاس
يعد "وادي الحلو" أحد أبرز المواقع الأثرية المرتبطة بتاريخ تعدين النحاس وصهره في جنوب شرق الجزيرة العربية خلال العصر البرونزي، إذ يقدّم شواهد واضحة على بدايات النشاط المعدني المبكر في المنطقة.
ويقع الموقع في المنطقة الشرقية من إمارة الشارقة ضمن سلسلة جبال الحجر ويضم بقايا مواقع تعدين قديمة وبقايا صهر وأفراناً ومخلّفات تؤكد ممارسة هذا النشاط منذ آلاف السنين.
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن الوادي شهد استيطاناً بشرياً متواصلاً منذ فترات ما قبل التاريخ وبرزت أهميته بشكل خاص خلال العصر البرونزي، عندما تحوّل إلى مصدر رئيسي للنحاس ومركز لإنتاجه وتداوله عبر شبكات تجارية إقليمية واسعة، حيث عُثر على شواهد تؤكد انتقال النحاس المنتج في المنطقة إلى عدد من مناطق الخليج والشرق الأدنى.
الفاية.. المشهد الثقافي لعصور ما قبل التاريخ
يُجسّد "موقع الفاية" (المشهد الثقافي لعصور ما قبل التاريخ)، أحد أبرز الشواهد العالمية على استيطان الإنسان المبكر للبيئات الصحراوية، إذ يقع في منطقة إستراتيجية بين الخليج العربي وبحر عُمان، وتكشف طبقاته الأثرية الممتدة من العصر الحجري الأوسط إلى العصر الحجري الحديث منذ نحو 210 آلاف إلى 6 آلاف عام عن قدرة المجتمعات البشرية الأولى على التكيّف مع التحولات المناخية واستثمار الموارد الطبيعية للبقاء، كما يقدّم دلائل علمية مهمة على مسار الهجرة الجنوبي للإنسان الحديث من إفريقيا ما يمنحه قيمة استثنائية في فهم تاريخ الاستيطان البشري.