مضيق هرمز في قلب الصراع.. كيف تحولت الممرات البحرية إلى ساحات للتنافس الجيوسياسي؟
لم تكن المضائق البحرية على مدار التاريخ مجرد ممرات تعبرها السفن، بل تحولت إلى نقاط استراتيجية تتحكم في حركة التجارة والطاقة، وتمنح الدول التي تسيطر على مواقعها نفوذًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا. ومع تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط، عاد مضيق هرمز إلى الواجهة باعتباره أحد أبرز الممرات البحرية حساسية وتأثيرًا في الاقتصاد العالمي.
وتتجاوز أهمية المضيق موقعه الجغرافي، إذ يرتبط مباشرة بحركة إمدادات النفط والغاز المسال، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة داخله قادرًا على إحداث تأثيرات واسعة في الأسواق العالمية وأسعار الطاقة.
هرمز.. ممر حيوي في قلب التوترات
يوضح أستاذ الجغرافيا في معهد العلوم السياسية بمدينة بوردو الفرنسية، سيلفان دوميرغ، أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، المعروفة باتفاقية مونتيغو باي، والموقعة في 10 ديسمبر/كانون الأول 1982، تمثل الإطار القانوني الأبرز لتنظيم الملاحة البحرية حول العالم.
وتنص الاتفاقية على أن المضيق البحري تكوين طبيعي، ولا يجوز فرض رسوم على المرور فيه، كما تضمن مبدأ حرية الملاحة. ويختلف ذلك عن القنوات التي شُيدت بواسطة الإنسان، مثل قناة السويس وقناة بنما، إذ يحق للدول التي تدير هذه القنوات فرض رسوم على السفن العابرة.
وفي ظل التوترات الأخيرة، برز مضيق هرمز باعتباره نقطة ضغط استراتيجية، بعدما أدى إغلاقه إلى تعطيل حركة الملاحة في ممر تمر عبره، خلال فترات الاستقرار، كميات ضخمة من إمدادات النفط والغاز المسال العالمية، الأمر الذي انعكس سريعًا على أسعار الطاقة.
كما فرضت الولايات المتحدة حصارًا بحريًا على الموانئ الإيرانية، قبل أن تتيح مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران، أُبرمت في أبريل/نيسان الماضي، استئناف حركة الملاحة عبر المضيق. إلا أن انهيار وقف إطلاق النار مطلع يوليو/تموز الجاري أدى إلى عودة الاضطرابات وشل حركة الملاحة مجددًا.
من البرتغال إلى بريطانيا.. صراع قديم على المضائق
يرتبط التنافس على مضيق هرمز بتاريخ طويل من محاولات القوى الكبرى السيطرة على الممرات البحرية. فبحسب دوميرغ، كانت البرتغال من أوائل القوى الأوروبية التي سعت إلى فرض نفوذها على المضيق منذ عام 1507، بهدف التحكم في طرق التجارة البحرية المؤدية إلى الهند، والاستفادة من تجارة التوابل وثروات الشرق.
لكن هذه الرغبة في السيطرة اصطدمت بجدل قانوني وفلسفي واسع حول ملكية البحار وحق الدول في التحكم بالممرات البحرية. وفي مطلع القرن السابع عشر، انتصرت نظرية «البحر الحر» التي صاغها الفيلسوف الهولندي هوغو غروتيوس، وانطلقت من مبدأ أساسي مفاده أن البحر لا يملكه أحد.
وتبنت هولندا هذه النظرية ودافعت عن حرية البحار، ثم تبعتها بريطانيا، ولاحقًا الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر. ورغم ذلك، لم تمنع فكرة حرية الملاحة القوى الكبرى من توظيف الموقع الاستراتيجي للمضائق في تعزيز نفوذها الاستعماري والعسكري.
قواعد عسكرية وممرات تتحكم في التجارة العالمية
استفادت بريطانيا بشكل كبير من الموقع الجغرافي للمضائق، فأقامت قواعد عسكرية على امتداد عدد من الممرات البحرية المهمة. وكانت قاعدتها البحرية في سنغافورة من أبرز هذه المواقع، إذ مكنتها من السيطرة على مضيق ملقا، الذي يمثل اليوم أحد أهم طرق التجارة البحرية القادمة من الصين.
كما أقامت بريطانيا قواعد في جزيرة سقطرى، التابعة حاليًا لليمن، بالقرب من مضيق باب المندب ومدخل البحر الأحمر، في محاولة لتعزيز حضورها في واحدة من أكثر المناطق البحرية أهمية للتجارة العالمية.
وفي أوروبا، لعبت المضائق الدنماركية دورًا مهمًا خلال القرن التاسع عشر، إذ كانت تتحكم في مدخل بحر البلطيق، وسمحت للدنمارك لفترة طويلة بفرض رسوم على السفن العابرة.
أما في الوقت الحالي، فيخضع مضيقا البوسفور والدردنيل لنظام خاص للمرور والرسوم بموجب اتفاقية مونترو الموقعة عام 1936.
مضيق تايوان وملقا.. أزمات محتملة في المستقبل
يرى دوميرغ أن أهمية المضائق البحرية ستزداد خلال السنوات المقبلة، مع تصاعد التنافس الدولي على طرق التجارة والطاقة. ومن بين أبرز النقاط التي قد تشهد مزيدًا من التوتر، يبرز مضيق تايوان، الذي يمثل نقطة حساسة في التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى.
كما يظل مضيق ملقا من أبرز الممرات التي تستحق المتابعة، نظرًا إلى دوره المحوري في حركة التجارة العالمية، فضلًا عن خضوعه لإشراف مشترك بين سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا.
وهكذا، تكشف التجارب التاريخية أن المضائق البحرية لم تكن يومًا مجرد ممرات للسفن، بل ظلت جزءًا أساسيًا من معادلات القوة الدولية. ومع استمرار التوترات السياسية والعسكرية، يبدو أن السيطرة على هذه الممرات ستظل أحد أهم مفاتيح النفوذ في الاقتصاد والسياسة العالمية.