خطة قطرية شاملة لدحر التصحر.. كيف تواجه قطر التحديات المناخية بـ "الذكاء الاصطناعي"؟
في ظل تسارع وتيرة التغير المناخي المستمر والضغوط المتزايدة الناجمة عن الأنشطة البشرية، يبرز التصحر والجفاف كأحد أكبر التحديات البيئية والتنموية التي تهدد الأمن الغذائي والتنوع البيولوجي على المستوى العالمي.
وانطلاقاً من إدراكها العميق لهذه التحديات، وفي ظل طبيعتها الجغرافية التي تتسم بمناخ صحراوي جاف ومحدودية الموارد المائية، تبنت دولة قطر نهجاً استراتيجياً متكاملاً يهدف إلى حماية مواردها الطبيعية وإعادة تأهيل نُظمها البيئية بما يتماشى مع رؤيتها الوطنية 2030.
وفي هذا السياق، تضطلع وزارة البيئة والتغير المناخي بدور محوري في تحويل هذه الرؤى إلى واقع ملموس، من خلال صياغة التشريعات، ومراقبة جودة التربة، وإدارة المحميات.
وقد توجت هذه الجهود مؤخراً بإطلاق "الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التصحر 2025 - 2030"، والتي ترتكز على ست نتائج رئيسية تشمل: حماية النظم البيئية، الإدارة المستدامة للموارد، تعزيز الغطاء النباتي، بناء القدرات ودعم البحث العلمي، تطوير الحوكمة الفعالة، وتفعيل الشراكات المجتمعية والدولية.
لغة الأرقام والمستهدفات الميدانية حتى عام 2026:

تترجم الدولة سياساتها البيئية من خلال حزمة من المبادرات والمشاريع الرقمية التي حققت مؤشرات نجاح ملموسة، ويأتي في مقدمتها:
مبادرة الـ 10 ملايين شجرة: نجحت قطر في زراعة أكثر من 4 ملايين شجرة حتى الآن، محققة ما يتجاوز 40% من مستهدفها الوطني المعلن ضمن مبادرة الشرق الأوسط الأخضر الإقليمية.
حصاد المشاتل المحلية (عام 2025): تم استزراع 19 ألفاً و580 شتلة برية وساحلية محلية، إلى جانب إنتاج 31 ألفاً و275 شتلة في مشتل "الغشامية" لدعم برامج الإكثار والتأهيل البيئي.
برنامج حماية الروض: تمكنت الفرق البيئية من حماية وتأهيل 76 روضة وموقعاً طبيعياً على مساحة إجمالية بلغت 16.72 كيلومتراً مربعاً خلال الفترة من 2019 إلى 2026، عبر آليات التسوير، وتنظيم الاستخدام، ونثر البذور، وسط خطط توسعية طموحة تستهدف الوصول إلى 500 روضة بحلول عام 2030.
دمج التكنولوجيا والرصد الرقمي: لقطة من تصريحات المسؤولين
وفي تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أكد الدكتور إبراهيم عبد اللطيف المسلماني، الوكيل المساعد لشؤون الحماية والمحميات الطبيعية بوزارة البيئة والتغير المناخي، أن الاستراتيجية الوطنية الجديدة وضعت مستهدفاً صارماً لاستعادة وتأهيل ما لا يقل عن 30% من الموائل الطبيعية المتدهورة.
الدكتور إبراهيم المسلماني: "تمثل المحميات الطبيعية ركيزة أساسية في جهود الدولة؛ حيث تغطي المحميات البرية حالياً نحو 27% من مساحة قطر، ونستهدف رفع هذه النسبة للمناطق البرية والبحرية معاً لتصل إلى 30% بحلول عام 2030. كما نجحنا في بناء أول قاعدة بيانات مكانية وطنية متكاملة بعد حصر وتوثيق 1573 روضة باستخدام نظم المعلومات الجغرافية والطائرات بدون طيار، ونخطط حالياً لتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة الرصد ودعم اتخاذ القرار البيئي."
ومن جانبه، أوضح السيد خالد بوجمهور المهندي، مدير إدارة تنمية الحياة الفطرية بالوزارة، لـ "قنا"، أن الطبيعة الجافة للبيئة القطرية تجعلها أكثر تأثراً بمظاهر التغير المناخي العالمية، وهو ما يتطلب حلولاً استباقية مبنية على أسس علمية.
وأشار المهندي إلى أن الوزارة تضع حماية الموائل وتطوير أنظمة الرصد في مقدمة أولوياتها، مع التركيز على دمج الاعتبارات البيئية في التخطيط الوطني لضمان استدامة الموارد للأجيال القادمة، مشدداً على أن حماية البيئة هي "مسؤولية مجتمعية مشتركة" تتطلب تضافر جهود المتطوعين، والمؤسسات التعليمية، والقطاع الخاص.
من بيئة قاحلة إلى مساحات منتجة وفاعلة إقليمياً:
وفي قراءة تحليلية للمشهد البيئي القطري، أكد الدكتور سيف علي الحجري، رئيس مركز "حماة الطبيعة" في قطر، أن الدولة نجحت بالفعل في تحويل أجزاء واسعة من بيئتها الصحراوية القاحلة إلى مساحات خضراء منتجة تسهم بفاعلية في ملف الأمن الغذائي.
وثمّن الحجري التنسيق المشترك بين مختلف الوزارات والمؤسسات لتشجير الطرق والمتنزهات، مشيراً إلى التوسع الذكي في زراعة النباتات المحلية والساحلية، وعلى رأسها نبات القرم الذي يتميز بقدرة استثنائية على امتصاص الغازات الدفيئة ومكافحة الاحتباس الحراري.
واختتم الحجري تصريحه لـ "قنا" بالإشارة إلى أن استضافة قطر للفعاليات الدولية الكبرى، مثل المعرض الزراعي الدولي السنوي ومعرض "إكسبو 2023 الدوحة" الذي حمل شعار "صحراء خضراء، بيئة أفضل"، يرسخ دور الدوحة كشريك ديبلوماسي وبيئي فاعل في صياغة مستقبل مستدام للمنطقة والعالم.