ترامب يضغط على نتنياهو.. هل تقترب إسرائيل من الانسحاب من سوريا ولبنان؟
دخلت العلاقة بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية مرحلة جديدة من الضغوط السياسية، بعدما كشفت تقارير أمريكية أن الرئيس دونالد ترامب طالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ببدء خطوات لسحب القوات الإسرائيلية من مناطق في سوريا ولبنان، في تحرك يعكس رغبة واشنطن في إعادة ترتيب المشهد الأمني في الشرق الأوسط وتقليل احتمالات التصعيد الإقليمي.
ووفقًا لما نشره موقع "أكسيوس" نقلاً عن مصادر أمريكية وإسرائيلية، فإن ترامب أبلغ نتنياهو خلال اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بضرورة إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في سوريا، كما حثه على اتخاذ خطوات مماثلة في لبنان، في ظل مخاوف أمريكية من أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في تلك المناطق قد يؤدي إلى توترات جديدة تهدد الاستقرار الإقليمي.
ويأتي هذا الموقف في توقيت حساس بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي يواجه تحديات سياسية داخلية قبل الانتخابات المقبلة، في وقت تستمر فيه تداعيات الحرب التي اندلعت في المنطقة منذ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تبعها من مواجهات امتدت إلى جبهات متعددة، بينها لبنان وسوريا وإيران.
ضغط أمريكي مقابل حسابات إسرائيلية

رغم الدعوات الأمريكية، تشير تقديرات سياسية إلى أن نتنياهو قد لا يكون مستعدًا لاتخاذ خطوات سريعة نحو الانسحاب من المناطق التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية، خاصة في ظل الضغوط التي يتعرض لها من التيارات اليمينية داخل حكومته، والتي ترى أن الحفاظ على وجود عسكري في المناطق الحدودية يمثل عنصرًا أساسيًا في استراتيجية الأمن الإسرائيلي.
ويرى مراقبون أن نتنياهو يواجه معادلة صعبة بين الاستجابة للمطالب الأمريكية، باعتبار واشنطن الحليف الرئيسي لإسرائيل، وبين الحفاظ على دعم شركائه السياسيين الذين يدفع بعضهم نحو استمرار السيطرة الأمنية على مناطق في جنوب سوريا ولبنان.
وتعتبر الحكومة الإسرائيلية أن وجود قواتها في تلك المناطق يأتي بهدف منع تكرار هجمات مشابهة لهجوم حركة حماس في أكتوبر 2023، بينما ترى أطراف إقليمية ودولية أن استمرار الانتشار العسكري الإسرائيلي خارج الحدود قد يؤدي إلى زيادة الاحتقان وفتح جبهات جديدة.
سوريا.. ملف أمني في قلب المفاوضات
يمثل الملف السوري أحد أبرز نقاط الخلاف بين واشنطن وتل أبيب، خاصة بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وما تبعه من تغيرات سياسية وأمنية واسعة داخل سوريا.
ومنذ ذلك الوقت، عززت إسرائيل وجودها العسكري في مناطق داخل الأراضي السورية، مبررة ذلك بالحفاظ على أمن حدودها ومنع وصول أسلحة أو جماعات مسلحة إلى المناطق القريبة منها.
لكن إدارة ترامب ترى أن استمرار هذا الوجود قد يؤدي إلى توترات مع الإدارة السورية الجديدة، ويعرقل جهود التوصل إلى ترتيبات أمنية أكثر استقرارًا في المنطقة.
وبحسب التقارير، جاءت مكالمة ترامب مع نتنياهو بعد يوم واحد من لقاء الرئيس الأمريكي مع نظيره السوري أحمد الشرع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا، وهو ما يعكس ارتباط الملف السوري بمحاولات واشنطن بناء مسار سياسي وأمني جديد في المنطقة.
وخلال الأشهر الماضية، عملت الإدارة الأمريكية على دفع مفاوضات تهدف إلى الوصول لاتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا، يتضمن ترتيبات بشأن الانتشار العسكري الإسرائيلي، إلا أن هذه الجهود اصطدمت برفض إسرائيلي لتقديم تنازلات واسعة.
لبنان.. اتفاق هش ينتظر التنفيذ
لا يقتصر الضغط الأمريكي على الساحة السورية فقط، بل يمتد أيضًا إلى لبنان، حيث تطالب واشنطن إسرائيل بتنفيذ خطوات مرتبطة باتفاق إطار تم التوصل إليه خلال الأسابيع الماضية.
وبموجب الاتفاق، تعهدت إسرائيل بسحب قواتها من منطقتين تجريبيتين في جنوب لبنان، مقابل انتشار الجيش اللبناني فيهما، في محاولة لإعادة تثبيت ترتيبات أمنية جديدة على الحدود.
لكن تنفيذ الاتفاق لا يزال يواجه عقبات، إذ لم تبدأ القوات الإسرائيلية عملية إعادة الانتشار من المناطق المحددة، بينما تطالب الحكومة اللبنانية بجدول زمني واضح لاستكمال الانسحاب من باقي المناطق.
في المقابل، تقول إسرائيل إنها تحتاج إلى التأكد من خلو المناطق التي ستنسحب منها من أي بنية عسكرية تابعة لحزب الله، وترى أن أي انسحاب غير مصحوب بضمانات أمنية قد يعرض حدودها للخطر.
ويبرز هنا خلاف بين الطرفين حول الجهة المسؤولة عن عمليات التحقق الأمني؛ إذ ترى إسرائيل أن الأمر يجب أن يخضع لإجراءاتها، بينما تؤكد الأطراف اللبنانية أن الجيش الأمريكي هو الجهة الأنسب للإشراف على هذه العملية
نتنياهو بين واشنطن واليمين الإسرائيلي
تأتي الضغوط الأمريكية في وقت يواجه فيه نتنياهو حسابات سياسية معقدة، إذ تقترب إسرائيل من انتخابات قد تكون حاسمة لمستقبله السياسي.
ويرى محللون أن أي قرار بالانسحاب من مناطق جديدة قد يثير غضب القوى اليمينية داخل حكومته، التي تعتبر السيطرة الأمنية على الأراضي الحدودية جزءًا من استراتيجية طويلة الأمد.
كما أن بعض الوزراء الإسرائيليين يدفعون باتجاه بقاء عسكري طويل الأمد في مناطق من سوريا ولبنان، بل وطرح بعضهم أفكارًا تتعلق بإقامة وجود مدني إسرائيلي في تلك المناطق.
لكن في المقابل، فإن تجاهل مطالب واشنطن قد يضع نتنياهو أمام أزمة مع الإدارة الأمريكية، خاصة أن ترامب يسعى إلى تحقيق صورة سياسية تقوم على إنهاء النزاعات وتقليل الانخراط العسكري الأمريكي المباشر في الشرق الأوسط.
ومن جانبها، تبدو إدارة ترامب مهتمة بإعادة صياغة التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط، عبر تقليل احتمالات اندلاع مواجهات جديدة، والتركيز على اتفاقات سياسية وأمنية بدلاً من استمرار العمليات العسكرية المفتوحة.
ويرى مراقبون أن مطالبة ترامب لنتنياهو بالانسحاب من سوريا ولبنان لا تعني بالضرورة تخلي واشنطن عن دعم إسرائيل، لكنها تعكس رغبة أمريكية في منع تحول الجبهات الشمالية إلى مصدر دائم للتوتر.
كما أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في سوريا ولبنان قد يعقد جهود الولايات المتحدة للتعامل مع ملفات أخرى في المنطقة، سواء المتعلقة بإيران أو بإعادة بناء العلاقات مع الحكومة السورية الجديدة.
تحديات أمام أي انسحاب إسرائيلي محتمل
رغم الضغوط الأمريكية، فإن تنفيذ انسحاب إسرائيلي فعلي يواجه العديد من العقبات، أبرزها غياب الثقة بين الأطراف المختلفة، واستمرار المخاوف الأمنية الإسرائيلية، إضافة إلى صعوبة التوصل إلى ترتيبات تضمن عدم عودة الجماعات المسلحة إلى المناطق الحدودية.
كما أن الوضع في سوريا لا يزال يحمل الكثير من التعقيدات، في ظل مرحلة انتقالية سياسية وأمنية تحتاج إلى ترتيبات دولية واسعة.
أما في لبنان، فإن ملف حزب الله يظل العامل الأكثر تأثيرًا في أي اتفاق أمني، خاصة مع استمرار الخلافات حول مستقبل سلاح الحزب ودوره داخل الدولة اللبنانية.
وتشير المعطيات إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد عدة سيناريوهات، أولها استمرار المفاوضات الأمريكية الإسرائيلية دون خطوات عملية كبيرة، خاصة إذا تمسك نتنياهو بموقفه الحالي.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في التوصل إلى انسحابات تدريجية ومحدودة، مقابل ترتيبات أمنية وضمانات أمريكية، وهو خيار قد يسمح لجميع الأطراف بحفظ مصالحها السياسية.
بينما يبقى السيناريو الثالث مرتبطًا بإمكانية تصاعد التوترات إذا استمر الوجود العسكري الإسرائيلي في سوريا ولبنان دون اتفاقات واضحة، وهو ما قد يعيد إشعال جبهات جديدة في المنطقة.