مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

الجدل يتصاعد حول مرجعية المرحلة الانتقالية في ليبيا

نشر
الأمصار

تتواصل حالة الجدل السياسي في ليبيا مع تصاعد الخلافات بشأن المبادرة الأميركية الهادفة إلى إنهاء حالة الانسداد السياسي، بعدما رفض المجلس العسكري بمدينة مصراتة الليبية أي ترتيبات سياسية تُفرض من الخارج، معتبرًا أن مستقبل البلاد يجب أن يُحدد عبر توافق ليبي خالص، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول الجهة التي تمتلك حق رسم قواعد المرحلة الانتقالية وصياغة السلطة المقبلة.

ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه الساحة الليبية حراكًا سياسيًا متزايدًا تقوده أطراف محلية ودولية، وسط محاولات لإيجاد تسوية تنهي سنوات من الانقسام المؤسساتي والصراع على الشرعية، بينما يرى مراقبون أن الأزمة الحالية لم تعد مرتبطة بتشكيل حكومة جديدة أو توزيع المناصب، بل باتت تتعلق بالمرجعية التي ستحدد آليات إنتاج السلطة وضمان تنفيذ أي اتفاق سياسي مستقبلي.

ويمثل موقف المجلس العسكري في مدينة مصراتة الليبية أهمية خاصة بالنظر إلى ثقله العسكري والأمني في غرب البلاد، وتأثيره المباشر في موازين القوى داخل العاصمة طرابلس ومحيطها، الأمر الذي يمنح موقفه وزنًا كبيرًا في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مقبلة.

وأكد المجلس العسكري رفضه للأسماء المتداولة ضمن التصور الأميركي لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية، مشددًا على أن أي مبادرة لا تستند إلى توافق وطني تمثل مساسًا بالسيادة الليبية، وهو ما يعكس استمرار الحساسية تجاه التدخلات الخارجية في الملف الليبي.

ويرى متابعون للشأن الليبي أن البلاد دخلت مرحلة جديدة من الصراع السياسي، عنوانها المنافسة على قواعد اللعبة السياسية نفسها، إذ لم يعد الخلاف يدور حول هوية رئيس الحكومة أو أعضاء السلطة التنفيذية، وإنما حول الجهة المخولة بوضع الأسس الدستورية والسياسية التي ستقود المرحلة المقبلة وتحدد مصدر الشرعية.

وخلال السنوات الخمس عشرة الماضية، شهدت ليبيا العديد من المبادرات والاتفاقات السياسية التي أسهمت في تشكيل سلطات انتقالية متعاقبة، لكنها لم تنجح في إرساء قواعد دائمة لتنظيم انتقال السلطة بصورة مستقرة، ما أدى إلى تجدد الأزمات مع كل استحقاق سياسي جديد.

ويعتقد خبراء أن الأزمة الليبية في جوهرها تتمثل في غياب مرجعية سياسية موحدة تحظى باعتراف جميع الأطراف، وهو ما جعل معظم الاتفاقات السابقة عرضة للتعثر بمجرد تغير موازين القوى على الأرض أو تبدل مواقف القوى المحلية والإقليمية والدولية.

وفي المشهد الحالي، تتنافس ثلاث مرجعيات رئيسية على قيادة المرحلة المقبلة. الأولى تتمثل في المبادرة الأميركية التي تنطلق من اعتبار استمرار الانقسام تهديدًا للاستقرار الإقليمي ولمصالح الولايات المتحدة في ملفات الطاقة والهجرة وأمن البحر المتوسط، وتسعى إلى دفع الأطراف الليبية نحو تفاهمات مباشرة مدعومة بضمانات سياسية وأمنية.

أما المرجعية الثانية فتتمثل في الأمم المتحدة، التي تؤكد أن العملية السياسية يجب أن تبقى تحت مظلتها باعتبارها الجهة الدولية المعترف بها لإدارة التسوية الليبية، مع توفير الشرعية القانونية وآليات متابعة تنفيذ الاتفاقات بين الأطراف المختلفة.

في المقابل، تتمسك المؤسسات الليبية بضرورة أن يكون إنتاج السلطة شأنًا وطنيًا خالصًا، يستند إلى توافق داخلي بين المؤسسات الدستورية والقوى السياسية، انطلاقًا من قناعة بأن الحلول المفروضة من الخارج تبقى أكثر عرضة للانهيار عند أول اختبار سياسي أو أمني.

 

ويأتي الحراك الأميركي في توقيت يشهد تغيرات إقليمية ودولية متسارعة، إذ باتت ليبيا تمثل نقطة ارتكاز في ملفات أمن البحر المتوسط والهجرة والطاقة، إضافة إلى التنافس الدولي المتزايد في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، وهو ما دفع واشنطن إلى تبني دور أكثر نشاطًا في محاولة إعادة تشكيل البيئة السياسية الليبية.

وفي هذا السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية الليبي الدكتور يوسف الفارسي أن المبادرة الأميركية قد تشكل فرصة لإنهاء حالة الجمود السياسي، معتبرًا أن الأجسام السياسية الحالية استنفدت فرصها، وأن الأولوية يجب أن تكون للوصول إلى انتخابات عامة تمنح الشرعية للمؤسسات الجديدة عبر صناديق الاقتراع.

في المقابل، تؤكد عضو الحوار المُهيكل الليبية حواء زايد أن المسار الأممي لا يزال يمثل الإطار الأنسب لإنجاز تسوية شاملة، مشيرة إلى أن الحوار شاركت فيه أكثر من 160 شخصية ليبية، وأن نجاحه يتوقف على تحويل مخرجاته إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ.

ومن جانبه، يدافع الخبير السياسي الليبي أنور ياسين عن خارطة الطريق التي طرحتها الرئاسات الثلاث، معتبرًا أنها تمثل تجسيدًا لمبدأ "الحل الليبي الليبي"، وأن المؤسسات الوطنية هي الجهة الوحيدة القادرة على إعادة بناء الشرعية وتهيئة البلاد لإجراء الانتخابات.

ويجمع معظم المحللين على أن التحدي الأكبر لا يتمثل فقط في صياغة اتفاق سياسي جديد، بل في توفير ضمانات حقيقية لتنفيذه على أرض الواقع، بعدما شهدت ليبيا انهيار العديد من الاتفاقات السابقة بسبب غياب آليات الإلزام والتنفيذ، وهو ما يجعل معركة المرجعيات عاملًا حاسمًا في رسم مستقبل الدولة الليبية خلال السنوات المقبلة.