مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

هل يكتب غادي آيزنكوت نهاية حقبة نتنياهو؟.. جنرال سابق يقلب موازين السياسة الإسرائيلية

نشر
الأمصار

تشهد الساحة السياسية في إسرائيل تحولات متسارعة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، في وقت يواجه فيه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تحديات متزايدة على أكثر من صعيد، سواء بسبب تداعيات الحرب في قطاع غزة أو الأزمات السياسية الداخلية والانقسامات التي يشهدها الائتلاف الحاكم. 

وفي خضم هذه المتغيرات، يبرز اسم رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق غادي آيزنكوت باعتباره أحد أبرز المرشحين لمنافسة نتنياهو على رئاسة الحكومة، بعدما أظهرت استطلاعات الرأي تقدمه الملحوظ وارتفاع شعبيته داخل قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي.

ولا يقتصر صعود آيزنكوت على كونه جنرالًا سابقًا يتمتع بخبرة عسكرية طويلة، بل يرتبط أيضًا بتقديمه نموذجًا مختلفًا في القيادة، وهو ما دفع كثيرًا من المحللين إلى وصفه بـ"النقيض السياسي" لنتنياهو، سواء من حيث الخلفية الشخصية أو أسلوب إدارة الملفات الأمنية والسياسية.

من هو غادي آيزنكوت؟

يعد غادي آيزنكوت واحدًا من أبرز القادة العسكريين الذين تولوا قيادة الجيش الإسرائيلي خلال العقد الماضي، إذ شغل منصب رئيس هيئة الأركان بين عامي 2015 و2019، بعد مسيرة عسكرية طويلة بدأت داخل لواء "جولاني"، أحد أشهر ألوية المشاة في الجيش الإسرائيلي.

وينحدر آيزنكوت من عائلة يهودية من أصول مغربية، ونشأ في مدينتي طبريا وإيلات، بعيدًا عن النخبة السياسية التقليدية التي خرج منها كثير من قادة إسرائيل، وهو ما يمنحه، بحسب مراقبين، صورة مختلفة لدى شريحة واسعة من الناخبين، خاصة اليهود الشرقيين الذين يمثلون كتلة انتخابية مؤثرة.

وخلال فترة قيادته للجيش، ارتبط اسمه بعدد من الملفات الأمنية المهمة، كما عرف باتخاذ مواقف اعتبرها البعض مستقلة عن الضغوط السياسية، وهو ما عزز صورته باعتباره قائدًا يفضل القرارات المهنية على الحسابات الحزبية.

لماذا يراه كثيرون نقيضًا لنتنياهو؟

رغم أن بنيامين نتنياهو هو من اختار آيزنكوت لرئاسة هيئة الأركان، فإن العلاقة بين الرجلين لم تستمر على الوتيرة نفسها، إذ بدأت الخلافات تظهر تدريجيًا خلال السنوات الأخيرة من ولاية آيزنكوت العسكرية.

وكانت إحدى أبرز محطات هذا الخلاف قضية الجندي إيلور عزاريا، الذي قتل فلسطينيًا مصابًا في مدينة الخليل عام 2016، حيث أصر آيزنكوت على محاكمته وفق القوانين العسكرية، رافضًا الدعوات السياسية التي طالبت بالعفو عنه، وهو ما اعتبر في حينه رسالة واضحة تؤكد تمسكه باستقلال المؤسسة العسكرية عن الضغوط السياسية.

وتعمقت الفجوة لاحقًا مع استمرار الحرب في غزة، بعدما وجه آيزنكوت انتقادات لطريقة إدارة الحكومة للعمليات العسكرية، معتبرًا أن غياب رؤية سياسية واضحة قد يطيل أمد الحرب دون تحقيق أهدافها الاستراتيجية.

وفي يونيو 2024، استقال آيزنكوت من حكومة الطوارئ التي شكلها نتنياهو، برفقة بيني غانتس، احتجاجًا على ما وصفه بغياب خطة واضحة لإدارة الحرب واليوم التالي لها، لتتحول الخلافات من داخل المؤسسة العسكرية إلى مواجهة سياسية مباشرة.

استطلاعات الرأي تغير المعادلة

وخلال الأشهر الأخيرة، بدأت استطلاعات الرأي في إسرائيل تعكس تحولًا واضحًا في المزاج العام، حيث أظهرت نتائج عدد منها أن آيزنكوت بات ينافس نتنياهو على منصب رئيس الحكومة، بل يتقدمه في بعضها باعتباره الشخصية الأكثر ملاءمة لقيادة إسرائيل خلال المرحلة المقبلة.

ويرى محللون أن هذا التحول يعود إلى عدة عوامل، أبرزها تراجع الثقة الشعبية في أداء الحكومة الحالية، إلى جانب رغبة قطاعات من الإسرائيليين في البحث عن شخصية تمتلك خبرة أمنية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه بعيدة عن حالة الاستقطاب التي رافقت نتنياهو طوال سنوات حكمه.

كما ساهمت شخصية آيزنكوت الهادئة وابتعاده عن الخطاب الشعبوي في جذب ناخبين من تيارات مختلفة، خاصة داخل معسكر الوسط واليمين المعتدل.

الليكود ينتقل من التجاهل إلى المواجهة

لم يمر صعود آيزنكوت دون رد من حزب الليكود، الذي بدأ خلال الفترة الأخيرة حملة إعلامية تستهدف التقليل من فرص منافسه الجديد.

وتضمنت الحملة نشر مواد دعائية ومقاطع مصورة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، في محاولة لربطه بالأحزاب العربية داخل إسرائيل، وهو خطاب اعتاد اليمين الإسرائيلي استخدامه خلال المواسم الانتخابية لحشد قواعده التقليدية.

ويرى مراقبون أن انتقال الليكود من تجاهل آيزنكوت إلى مهاجمته يعكس إدراك الحزب أن الجنرال السابق أصبح منافسًا حقيقيًا يمكنه استقطاب أصوات كانت تصوت لليكود في الانتخابات السابقة.

الحرب في غزة وتأثيرها على صورته

غادي آيزنكوت.. «نقيض نتنياهو» يطمح لرئاسة حكومة إسرائيل - صورة 1

من العوامل التي عززت مكانة آيزنكوت لدى الرأي العام الإسرائيلي الجانب الإنساني المرتبط بالحرب في غزة، بعدما فقد ابنه الأصغر خلال العمليات العسكرية، كما فقد اثنين من أبناء إخوته.

وتحولت هذه المأساة الشخصية إلى عنصر مؤثر في صورته العامة، حيث اعتبره كثيرون قائدًا دفع ثمن الحرب مثل آلاف العائلات الإسرائيلية، وهو ما أكسبه تعاطفًا واسعًا داخل المجتمع.

في المقابل، تعرض نتنياهو لانتقادات متكررة من خصومه بسبب استمرار نجله يائير في الإقامة خارج إسرائيل خلال جزء من فترة الحرب، وهو ما استغلته المعارضة للمقارنة بين الرجلين.

هل يستطيع اختراق معقل الليكود؟

غادي آيزنكوت.. «نقيض نتنياهو» يطمح لرئاسة حكومة إسرائيل - صورة 2

تمثل أصول آيزنكوت المغربية أحد أبرز عناصر قوته السياسية، إذ ينتمي إلى اليهود الشرقيين الذين يشكلون القاعدة الانتخابية الأهم لحزب الليكود منذ عقود.

ويرى محللون أن قدرة آيزنكوت على جذب جزء من هذه الكتلة قد تغير خريطة الانتخابات بالكامل، خاصة أن كثيرًا من هؤلاء الناخبين لا يميلون إلى أحزاب اليسار، لكنهم في الوقت نفسه أصبحوا أكثر انتقادًا لأداء حكومة نتنياهو.

ويعتقد بعض المراقبين أن شخصية آيزنكوت المحافظة وخلفيته العسكرية قد تمنحه فرصة لاختراق هذه القاعدة الانتخابية دون أن يخسر أصوات معسكر الوسط.

ورغم الزخم الذي يحظى به، فإن طريق آيزنكوت نحو رئاسة الحكومة لا يبدو سهلًا، فالنظام السياسي الإسرائيلي يعتمد على الائتلافات الحزبية، وهو ما يجعل الفوز بالانتخابات غير كافٍ لتشكيل الحكومة.

كما أن نتنياهو لا يزال يمتلك خبرة انتخابية طويلة، وشبكة تنظيمية قوية داخل الليكود، وقدرة على إدارة الحملات الانتخابية في اللحظات الحاسمة.

إضافة إلى ذلك، تعاني أحزاب المعارضة من تباينات سياسية قد تعقد عملية تشكيل ائتلاف موحد قادر على منافسة اليمين.

هل ينجح في إنهاء حقبة نتنياهو؟

يرى مراقبون أن غادي آيزنكوت يمثل أول منافس يجمع بين الخبرة العسكرية والقبول الشعبي والقدرة على مخاطبة شرائح متنوعة من الناخبين، وهو ما يجعله مختلفًا عن منافسي نتنياهو خلال السنوات الماضية.

وفي المقابل، يراهن نتنياهو على خبرته الطويلة وسجله السياسي وقدرته على تعبئة قاعدته الانتخابية، خصوصًا إذا تصاعدت التحديات الأمنية أو الإقليمية.

ومع استمرار التقلبات داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، تبقى جميع السيناريوهات مفتوحة، إلا أن المؤكد هو أن اسم غادي آيزنكوت أصبح حاضرًا بقوة في سباق رئاسة الحكومة، وأن المنافسة المقبلة قد تكون الأكثر صعوبة التي يواجهها نتنياهو منذ سنوات.

وبين جنرال سابق يسعى إلى تقديم نموذج جديد في القيادة، ورئيس وزراء مخضرم يحاول الحفاظ على موقعه، تتجه الأنظار إلى الانتخابات المقبلة باعتبارها محطة قد تعيد رسم ملامح السياسة الإسرائيلية، وتحدد ما إذا كانت إسرائيل مقبلة على مرحلة جديدة تنهي حقبة نتنياهو، أم أن الأخير سيتمكن مجددًا من تجاوز واحدة من أصعب معاركه السياسية.