د.رائد العزاوي: العراق أمام لحظة تاريخية لكسر منظومة الفساد المستمرة منذ سنوات
أكد الدكتور رائد العزاوي، مدير مركز الدراسات السياسية والاقتصادية وأستاذ العلاقات الدولية، أن العراق يقف أمام لحظة مفصلية في ملف مكافحة الفساد، معتبرًا أن التحقيقات الأخيرة التي يقودها القضاء العراقي قد تمثل "نقطة تاريخية فارقة" إذا استمرت حتى النهاية دون الخضوع لأي ضغوط سياسية أو أمنية.
وقال العزاوي، في تصريحات تلفزيونية خلال لقائه على شاشة العربية مباشر، إن مصفاة بيجي، أكبر مصفاة نفط في العراق وإحدى أكبر المصافي في منطقة الشرق الأوسط، لم تكن مجرد منشأة نفطية، بل تحولت خلال السنوات الماضية إلى ما وصفه بـ"الصندوق الأسود" الذي تدفقت عبره الأموال لتمويل الميليشيات وشبكات السلاح المنفلت، فضلًا عن كونها أحد أهم أبواب الفساد التي استنزفت موارد الدولة العراقية.
وأضاف أن المصفاة كانت تمثل "كنزًا" استغلته شبكات الفساد لتحقيق مكاسب ضخمة بعيدًا عن رقابة الدولة، مشيرًا إلى أن تلك الشبكات كانت تتمتع بحماية من جماعات مسلحة وفرت لها غطاءً حال دون محاسبة المتورطين على مدار سنوات.
وأوضح العزاوي أن ما أعلنه رئيس هيئة النزاهة العراقية، علي الزيدي، بشأن ملاحقة المتورطين في قضايا الفساد، يمثل بداية مرحلة جديدة، خاصة بعد تأكيده أنه لا يسعى إلى مكاسب سياسية أو انتخابية، وإنما يركز على مهمة محددة تتمثل في مواجهة السلاح المنفلت، وتجفيف منابع المال الفاسد، واستعادة هيبة الدولة.
وأشار إلى أن الرأي العام العراقي يربط بين قضية وكيل وزارة النفط المعتقل والملفات التي يجري التحقيق فيها داخل مصفاة بيجي، لكنه شدد على أن القضية أكبر بكثير من وزارة النفط، إذ تشمل شبكة واسعة من ملفات الفساد داخل مؤسسات الدولة.
وكشف أن التحقيقات امتدت إلى وزارة الكهرباء، ووزارة النقل والمواصلات، وهيئة الضرائب العقارية، وعدد من المؤسسات الحكومية الأخرى، لافتًا إلى وجود خمسة عقود وصفها بـ"الخطيرة جدًا" داخل وزارة النقل، بعضها يتعلق بالخطوط الجوية العراقية، إلى جانب ملفات ضخمة في وزارة الكهرباء، التي قال إنها كانت من أبرز المنافذ التي تسللت عبرها شبكات الفساد والميليشيات للاستيلاء على الأموال العامة.
وأضاف أن القائمة الأولية للمتهمين تضم أكثر من 500 شخص، بينما أصبحت مذكرات توقيف بحق نحو 200 متهم جاهزة للتنفيذ، مؤكدًا أن السلطات العراقية أصدرت أيضًا نشرات حمراء بحق ما بين 20 و25 شخصية موجودة خارج البلاد، في إطار ملاحقة المتورطين الهاربين.
وأشار العزاوي إلى أن حجم الأموال المهدرة بسبب الفساد في العراق خلال العشرين عامًا الماضية يتراوح بين 600 و650 مليار دولار، وهو رقم وصفه بـ"المهول"، مؤكدًا أن هذه الأموال كانت كفيلة بإعادة بناء البنية التحتية للعراق، وتحسين الخدمات الأساسية، وإنهاء أزمات الكهرباء والمياه والبطالة، وهو ما يفسر حالة الغضب الشعبي الواسعة والتساؤلات المستمرة حول مصير ثروات البلاد.
وحول تمكن بعض المطلوبين من الفرار، أوضح العزاوي أن العراق يواجه تحديات كبيرة في السيطرة على حدوده، خاصة مع إيران، إلى جانب وجود منافذ حدودية يصعب إحكام الرقابة عليها، فضلًا عن لجوء بعض المطلوبين إلى الحماية العشائرية، وهو ما قد يسهم في إخفائهم أو تسهيل هروبهم.
وأكد أن نجاح الحملة الحالية لن يتحقق بالإجراءات القضائية وحدها، بل يحتاج إلى ثلاثة أركان رئيسية، تتمثل في دعم المرجعيات الدينية، ومساندة العشائر والقبائل، إلى جانب دور الإعلام في كشف ملفات الفساد ومتابعة سير التحقيقات، فضلًا عن وجود حاضنة شعبية تحمي هذه الحملة من الضغوط.
واستشهد العزاوي بتجربة رئيس الوزراء العراقي الأسبق مصطفى الكاظمي، الذي حاول خلال فترة رئاسته للحكومة ملاحقة عدد من المتورطين في قضايا فساد عبر لجنة خاصة، إلا أن تلك الجهود لم تكتمل بسبب الضغوط التي تعرضت لها الحكومة، وغياب الدعم السياسي والشعبي الكافي، بحسب قوله.
واختتم العزاوي تصريحاته بالتأكيد على أن الشارع العراقي يترقب ما إذا كانت التحقيقات الحالية ستواصل طريقها حتى محاسبة جميع المتورطين، أم أنها ستصطدم مجددًا بـ"الخطوط الحمراء" التي حالت، على مدار السنوات الماضية، دون فتح الملفات الكبرى أو محاسبة الشخصيات النافذة، مؤكدًا أن نجاح هذه الحملة سيكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة العراقية على فرض سيادة القانون واستعادة ثقة المواطنين في مؤسساتها.