القلد.. عرف سوداني يرسخ السلام ويوقف النزاعات القبلية
تشهد مناطق عدة في السودان تصاعدًا في النزاعات القبلية والأمنية، إلا أن بعض المجتمعات المحلية، لا سيما في شرق السودان، لا تزال تتمسك بإرث اجتماعي عريق أسهم على مدار عقود في احتواء الخلافات ومنع تحولها إلى صراعات دامية.
ويُعرف هذا التقليد باسم "القلد"، وهو أحد الأعراف القبلية التي تعتمد على إعلان هدنة مؤقتة وملزمة بين أطراف النزاع، بما يتيح للإدارة الأهلية التدخل وتهيئة الأجواء للتوصل إلى حلول سلمية.
ويُعد "القلد" من أبرز الآليات التقليدية التي ما زالت تحظى باحترام واسع داخل المجتمعات القبلية في شرق السودان، إذ يهدف إلى وقف أعمال التصعيد والثأر بصورة فورية، ومنح زعماء القبائل والعمد والنظار فرصة للاستماع إلى جميع الأطراف والعمل على تقريب وجهات النظر قبل اللجوء إلى أي مواجهات قد تهدد السلم المجتمعي.
وعاد هذا العرف إلى الواجهة مؤخرًا بعد نجاح وساطة أهلية في إنهاء التوتر الذي نشب بين قبيلتي البشاريين والرشايدة على خلفية الخلاف حول "سوق الرتج"، حيث تم الاتفاق على هدنة استمرت سبعة أيام، الأمر الذي ساعد في تهدئة الأوضاع وفتح الباب أمام الحوار للوصول إلى تسوية مقبولة للطرفين.

ويؤكد عدد من شيوخ الإدارة الأهلية في السودان أن "القلد" ليس وسيلة لإسقاط الحقوق أو تجاوز مؤسسات العدالة، وإنما يمثل التزامًا أخلاقيًا واجتماعيًا بوقف الخصومة مؤقتًا ومنع أي أعمال انتقامية، حتى يتمكن الوسطاء من دراسة القضية والتوصل إلى حلول ترضي جميع الأطراف وتحافظ على التماسك المجتمعي.
وأوضح أحد عمد شرق السودان، موسى أونور، أن هذا العرف متوارث منذ أجيال طويلة، ولا يوجد تاريخ محدد لبدايته، مشيرًا إلى أنه يبدأ عادة بإعلان هدنة مؤقتة، لكنها قد تنتهي باتفاق صلح دائم إذا نجحت جهود الوساطة في إزالة أسباب الخلاف.
وأضاف أن هذا التقليد ظل حاضرًا بين قبائل الهدندوة والأمرار والبشاريين، قبل أن يمتد استخدامه لاحقًا إلى نزاعات قبلية أخرى داخل الإقليم، بفضل ما حققه من نتائج إيجابية في احتواء الأزمات ومنع انزلاقها إلى أعمال عنف.
ويرى أونور أن الأعراف القبلية تحظى في كثير من الأحيان بمكانة كبيرة داخل المجتمعات المحلية، وقد تكون أكثر تأثيرًا من بعض الإجراءات القانونية، نظرًا لما تتمتع به قرارات النظار والعمد من احترام والتزام اجتماعي بين أبناء القبائل.
وفي السياق نفسه، أكد وكيل ناظر الجعليين، العمدة عبدالباسط عبدالله، أن الوساطة الأخيرة نجحت في إقرار هدنة مؤقتة بين الأطراف المتنازعة، بهدف إتاحة الفرصة للاستماع إلى مطالب الجميع بكل حيادية، تمهيدًا للوصول إلى اتفاق يحفظ الحقوق ويعزز وحدة مكونات شرق السودان.
ولم يقتصر الاهتمام بالقلد على الجانب المجتمعي، بل امتد إلى الأوساط الأكاديمية، حيث تناولته دراسات متخصصة باعتباره نموذجًا سودانيًا لإدارة النزاعات المحلية وتعزيز السلم الأهلي، من بينها كتاب يوثق تطور هذا العرف ودوره في دعم التعايش بين المكونات الاجتماعية خلال العقود الماضية.
ويؤكد مختصون أن الأعراف الأهلية لا يمكن أن تكون بديلًا عن مؤسسات الدولة والقضاء، لكنها تمثل أداة مساندة يمكن الاستفادة منها في المجتمعات التي لا تزال تمنح الإدارة الأهلية دورًا مؤثرًا في حل الخلافات، خاصة في ظل التحديات الأمنية التي يشهدها السودان.
ومع استمرار الأزمات التي تمر بها البلاد، يبرز "القلد" باعتباره تجربة اجتماعية سودانية تعكس قدرة المجتمعات المحلية على ابتكار آليات فعالة لاحتواء النزاعات، بما يسهم في تعزيز الاستقرار والحفاظ على السلم الأهلي، من خلال التكامل بين الحكمة التقليدية ومؤسسات الدولة الحديثة.