مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

هل تقترب واشنطن وطهران من الاتفاق النهائي؟.. تنازلات إيرانية كبيرة وخيارات أمريكية مفتوحة

نشر
الأمصار

مع دخول المفاوضات الأمريكية الإيرانية مرحلة جديدة من التفاصيل الفنية، تتزايد التساؤلات بشأن مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران، وما إذا كانت التفاهمات الأخيرة تمهد بالفعل لاتفاق شامل ينهي سنوات من التوتر والصدام، أم أن العقبات السياسية والاستراتيجية لا تزال قادرة على تعطيل مسار التقارب في أي لحظة.

ففي الوقت الذي تتحدث فيه الإدارة الأمريكية عن انفتاحها على التوصل إلى "اتفاق حقيقي وجيد" مع إيران، تؤكد في المقابل أنها لا تزال تحتفظ بخيارات أخرى إذا لم تُظهر طهران الجدية المطلوبة خلال المراحل المقبلة من المفاوضات. 

وبين هذا الانفتاح وذلك التلويح، يبدو أن المنطقة تقف أمام مرحلة مفصلية قد تعيد رسم التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.

مفاوضات تدخل مرحلة أكثر حساسية

بعد التوصل إلى مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام الماضية، انتقل الطرفان إلى مرحلة جديدة تتعلق بالمحادثات الفنية والتقنية الهادفة إلى وضع التفاصيل التنفيذية للاتفاق المرتقب.

وتُعد هذه المرحلة من أكثر مراحل التفاوض تعقيدًا، إذ لا تقتصر على المبادئ العامة أو التفاهمات السياسية، بل تمتد إلى الملفات الإجرائية وآليات التنفيذ والرقابة والالتزامات المتبادلة، وهي الملفات التي غالبًا ما تحدد مصير أي اتفاق دولي.

وتشير المعطيات إلى أن الفرق الفنية من الجانبين تعمل حاليًا على بلورة الصيغة النهائية للتفاهمات التي تم التوصل إليها، تمهيدًا لاستئناف جولة جديدة من المباحثات خلال الفترة المقبلة، وسط ترقب إقليمي ودولي واسع.

روبيو: منفتحون على الاتفاق.. لكن البدائل قائمة

وفي أحدث المواقف الأمريكية، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن بلاده لا تزال منفتحة على إبرام اتفاق مع إيران إذا أثبتت الأخيرة جديتها في المفاوضات.

وأوضح روبيو، خلال تصريحات أدلى بها للصحفيين على هامش جولته الخليجية، أن الولايات المتحدة مستعدة للمضي قدمًا نحو اتفاق وصفه بـ"الجيد والحقيقي"، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن الرئيس الأمريكي يمتلك خيارات أخرى إذا لم تحقق المحادثات النتائج المطلوبة.

وهذا التصريح يعكس بوضوح استراتيجية الإدارة الأمريكية الحالية، والتي تقوم على الجمع بين الدبلوماسية والضغط في آن واحد، حيث تحرص واشنطن على إبقاء باب التفاوض مفتوحًا دون التخلي عن أدوات الضغط السياسي والاقتصادي التي تمتلكها.

ويرى مراقبون أن هذا الخطاب يهدف إلى إرسال رسائل متوازنة إلى الداخل الأمريكي من جهة، وإلى الجانب الإيراني من جهة أخرى، مفادها أن فرصة الاتفاق لا تزال قائمة، لكنها ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية.

ترامب يتحدث عن "تنازلات كبيرة"

وفي المقابل، جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتضيف مزيدًا من الزخم إلى المشهد التفاوضي، بعدما أكد أن إيران تقدم "تنازلات كبيرة للغاية" خلال المفاوضات الجارية.

وأشار ترامب إلى أن المحادثات تحقق تقدمًا ملحوظًا، معربًا عن تفاؤله بإمكانية الوصول إلى نتائج إيجابية خلال الفترة المقبلة، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن الحكم النهائي سيبقى مرتبطًا بما ستسفر عنه الجولات المقبلة.

وتحمل هذه التصريحات دلالات سياسية مهمة، إذ إنها المرة الأولى التي تتحدث فيها الإدارة الأمريكية بهذا الوضوح عن حجم المرونة التي تبديها طهران خلال المفاوضات.

ويرى محللون أن الحديث عن "تنازلات كبيرة" قد يشير إلى تقدم في ملفات كانت تمثل نقاط خلاف رئيسية بين الجانبين، سواء فيما يتعلق بالبرنامج النووي أو العقوبات الاقتصادية أو الترتيبات الأمنية المرتبطة بالمنطقة.

لماذا تبدو طهران أكثر مرونة؟

خلال السنوات الماضية، تمسكت إيران بمواقف تفاوضية صارمة في العديد من الملفات، إلا أن المتغيرات السياسية والاقتصادية الأخيرة دفعتها إلى تبني نهج أكثر مرونة.

وتشير تقديرات عديدة إلى أن الضغوط الاقتصادية التي واجهتها البلاد خلال الفترة الماضية، إضافة إلى تداعيات الحرب والتوترات الإقليمية، جعلت التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة خيارًا أكثر أهمية بالنسبة لصناع القرار في طهران.

كما أن تخفيف العقوبات واستعادة التدفقات المالية والاستثمارية يمثلان هدفًا استراتيجيًا بالنسبة للاقتصاد الإيراني، الذي يسعى إلى استعادة معدلات النمو وجذب رؤوس الأموال الأجنبية.

وفي المقابل، تدرك واشنطن أن أي اتفاق جديد قد يسهم في تهدئة العديد من الملفات الإقليمية المشتعلة، ويمنح الإدارة الأمريكية فرصة لتحقيق اختراق سياسي في أحد أكثر الملفات تعقيدًا في الشرق الأوسط.

الخليج حاضر في المشاورات

أحد أبرز ملامح التحرك الأمريكي الحالي يتمثل في الحرص على إشراك الحلفاء الخليجيين في مختلف مراحل التفاوض.

فخلال جولته الحالية في المنطقة، أكد وزير الخارجية الأمريكي أن الولايات المتحدة لن تتخذ أي خطوات من شأنها الإضرار بأمن شركائها في الخليج، مشددًا على أن هذه الدول ستكون جزءًا من المشاورات المتعلقة بأي قرار يتم اتخاذه بشأن المفاوضات مع إيران.

ويعكس هذا التوجه إدراك واشنطن لحساسية الملف الإيراني بالنسبة لدول المنطقة، خاصة أن أي اتفاق جديد ستكون له انعكاسات مباشرة على التوازنات الأمنية والسياسية والاقتصادية في الخليج.

كما تسعى الإدارة الأمريكية إلى طمأنة حلفائها بأن التقارب مع إيران لن يكون على حساب المصالح الأمنية للدول الشريكة.

الإمارات وواشنطن.. تنسيق مستمر

وفي إطار التحركات الدبلوماسية المصاحبة للمفاوضات، شهدت دولة الإمارات لقاءً بين رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.

وتناول اللقاء سبل تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، إضافة إلى مناقشة التطورات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها مستجدات الملف الإيراني والجهود الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

ويعكس هذا اللقاء أهمية التنسيق بين واشنطن وحلفائها الإقليميين خلال هذه المرحلة الدقيقة، خصوصًا مع اقتراب المفاوضات من ملفات أكثر حساسية وتأثيرًا.

ماذا بعد المحادثات الفنية؟

وبحسب التصريحات الأمريكية، من المتوقع أن تستأنف الفرق الفنية اجتماعاتها في نهاية الشهر الجاري، مع ترجيحات بعقد جولة جديدة من المفاوضات في سويسرا.

وستركز هذه الجولة على استكمال الجوانب التقنية المتعلقة بآليات تنفيذ الاتفاق، وتحديد الالتزامات المطلوبة من كل طرف، إضافة إلى مناقشة الضمانات والإجراءات المرتبطة بمرحلة ما بعد التوقيع.

ويؤكد خبراء العلاقات الدولية أن نجاح هذه المرحلة سيكون العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت المفاوضات ستتوج باتفاق شامل أم ستعود إلى دائرة التعثر من جديد.

ورغم الأجواء الإيجابية التي تحيط بالمفاوضات، فإن الطريق نحو الاتفاق النهائي لا يزال مليئًا بالتحديات.

ففي الداخل الأمريكي، تواجه الإدارة ضغوطًا من بعض التيارات السياسية التي ترى أن أي تنازلات لإيران قد تمنحها مساحة أكبر للتحرك إقليميًا.

وفي المقابل، تواجه القيادة الإيرانية بدورها ضغوطًا داخلية من أطراف تعتبر أن تقديم تنازلات واسعة قد يؤثر على الثوابت السياسية والاستراتيجية للدولة.

كما أن الملفات الإقليمية المعقدة، من أمن الخليج إلى النفوذ الإقليمي وبرامج التسلح، لا تزال تشكل عناصر خلاف قد تعرقل الوصول إلى اتفاق نهائي إذا لم يتم التعامل معها بحذر.

هل اقتربت لحظة الحسم؟

يرى مراقبون أن المفاوضات الحالية تبدو الأكثر جدية منذ سنوات، خاصة في ظل التصريحات الإيجابية المتبادلة ووجود تفاهمات أولية تم الانتقال بعدها إلى مرحلة التفاصيل التنفيذية.

ومع ذلك، فإن الخبرة الطويلة في الملف الأمريكي الإيراني تشير إلى أن المراحل الأخيرة من التفاوض غالبًا ما تكون الأصعب، لأنها تتعلق بالقضايا الأكثر حساسية وتأثيرًا.

وبين الحديث عن تنازلات إيرانية كبيرة، وتمسك واشنطن بخيارات بديلة، تتجه الأنظار إلى الجولة المقبلة من المحادثات التي قد تحدد شكل العلاقة بين البلدين خلال المرحلة القادمة.

تدخل المفاوضات الأمريكية الإيرانية منعطفًا جديدًا قد يكون الأكثر أهمية منذ سنوات، في ظل مؤشرات على تقدم ملموس في الحوار، وحديث أمريكي متزايد عن مرونة إيرانية غير مسبوقة.

لكن رغم الأجواء الإيجابية، لا تزال الملفات الشائكة حاضرة بقوة، فيما تواصل واشنطن التلويح بخيارات أخرى إذا تعثرت المفاوضات أو تراجعت طهران عن التزاماتها.

ويبقى السؤال الأبرز الذي يفرض نفسه على المشهد السياسي الدولي: هل تقود التنازلات الإيرانية والمحادثات الفنية الجارية إلى اتفاق تاريخي ينهي سنوات من التوتر، أم أن العقبات المتبقية ستعيد العلاقات بين واشنطن وطهران إلى مربع المواجهة من جديد؟