مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

هل يتصدع التحالف الأمريكي–الإسرائيلي؟.. واشنطن وتل أبيب بين الشكوك وإعادة تشكيل العلاقات

نشر
الأمصار

على مدار عقود طويلة، شكّل التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل أحد أكثر ركائز السياسة الخارجية الأمريكية ثباتًا، حيث اعتمد على دعم سياسي وعسكري واستخباراتي متواصل، اعتُبر في كثير من الأحيان «غير قابل للمساس».

لكن المشهد اليوم يبدو مختلفًا بشكل لافت، إذ تشير تطورات سياسية وإعلامية متلاحقة إلى أن هذا التحالف يدخل مرحلة دقيقة من إعادة التقييم، وسط تباين متزايد في الرؤى بين واشنطن وتل أبيب حول ملفات إقليمية حساسة، أبرزها إيران وغزة ومستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط.

وتأتي هذه التحولات في وقت تتزايد فيه الأسئلة داخل الأوساط السياسية الأمريكية حول كلفة هذا التحالف وجدواه في ظل تغير أولويات الداخل الأمريكي وصعود تيارات سياسية أكثر تشككًا في الالتزامات الخارجية التقليدية.

تصريحات ترامب.. شرارة جدل سياسي واسع

أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية، بعدما قال في أحد خطاباته:«لولا وجودي لما كانت هناك إسرائيل، كانت ستُدمَّر منذ زمن طويل لو لم أتدخل».

وجاءت هذه التصريحات بعد أيام من توقيعه اتفاق تهدئة مع إيران، في خطوة اعتبرها مراقبون تحولًا مهمًا في طريقة إدارة واشنطن لملف الشرق الأوسط، خاصة في ظل تقليص مستوى التنسيق مع الحلفاء التقليديين في بعض الملفات الحساسة.

وبحسب صحيفة «التلغراف» البريطانية، فإن هذه التصريحات تعكس تحولًا أعمق من مجرد خطاب سياسي، إذ تشير إلى تراجع فكرة «التحالف غير المشروط» لصالح مقاربة أكثر براغماتية في السياسة الأمريكية.

من خلافات تقليدية إلى إعادة تعريف العلاقة

لم تكن الخلافات بين واشنطن وتل أبيب جديدة، فقد شهدت العلاقات بين الطرفين توترات متكررة، أبرزها خلال إدارة باراك أوباما، عندما وقعت الولايات المتحدة الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، وهو ما رفضته الحكومة الإسرائيلية بشدة واعتبرته تهديدًا مباشرًا لأمنها.

كما ظهرت خلافات أخرى في ملفات الاستيطان والمفاوضات مع الفلسطينيين، إلا أن تلك الخلافات ظلت دائمًا ضمن إطار «تحالف استراتيجي ثابت» لا يتأثر بجوهر العلاقة.

أما اليوم، فإن الخلافات – بحسب محللين – باتت تتجاوز الملفات السياسية إلى نقاش أوسع حول طبيعة العلاقة نفسها، وحدود الالتزام الأمريكي تجاه إسرائيل في ظل المتغيرات الداخلية في الولايات المتحدة.

ملف إيران وغزة يزيد تعقيد المشهد

تُعد الملفات الإقليمية، وعلى رأسها إيران والحرب في غزة، من أبرز نقاط التوتر بين الجانبين خلال الفترة الأخيرة.

ففي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى احتواء التصعيد وتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، تتبنى إسرائيل نهجًا أكثر حدة في التعامل مع التهديدات الأمنية، وهو ما خلق فجوة في التقدير الاستراتيجي بين الطرفين.

وتشير تقارير إعلامية إلى أن بعض التحركات الأمريكية الأخيرة تجاه إيران تمت دون تنسيق كامل مع إسرائيل، ما أثار تساؤلات في تل أبيب حول مدى التزام واشنطن بالتشاور مع حلفائها قبل اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى.

تغير الرأي العام الأمريكي.. عامل حاسم في التحول

من أبرز العوامل التي تعيد تشكيل العلاقة بين البلدين هو التحول الملحوظ في الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل.

فبحسب استطلاع لمركز «بيو»، فإن نحو 60% من الأمريكيين باتت لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقارنة بـ37% فقط في عام 2022، وهو تغير سريع يعكس تحولات عميقة في المزاج العام داخل الولايات المتحدة.

وتظهر البيانات انقسامًا حزبيًا واضحًا، حيث لا يزال غالبية الجمهوريين ينظرون إلى إسرائيل بإيجابية، بينما ترتفع نسب الرفض بشكل كبير داخل صفوف الديمقراطيين، بل وحتى بين بعض فئات الشباب داخل الحزب الجمهوري نفسه.

هذا التحول يثير تساؤلات حول مستقبل الدعم الأمريكي التقليدي لإسرائيل، خاصة في ظل صعود أجيال سياسية جديدة أقل ارتباطًا بالتحالفات التاريخية.

صعود “أمريكا أولًا” وإعادة رسم الأولويات

يشكل صعود التيار السياسي المعروف بشعار «أمريكا أولًا» عاملًا محوريًا في إعادة صياغة السياسة الخارجية الأمريكية.

فهذا التيار يدعو إلى تقليل الانخراط في النزاعات الخارجية، وإعادة تقييم التحالفات التقليدية وفقًا لمبدأ الكلفة والعائد، بدلًا من الالتزامات التاريخية.

وفي هذا السياق، لم يعد الدعم لإسرائيل يُنظر إليه كمسألة بديهية داخل بعض دوائر اليمين الأمريكي، بل أصبح جزءًا من نقاش أوسع حول جدوى استمرار التحالفات الخارجية بشكلها التقليدي.

نتنياهو أمام مشهد دولي أكثر تعقيدًا

في المقابل، يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحديًا متصاعدًا يتمثل في الحفاظ على الدعم الأمريكي وسط بيئة سياسية أمريكية متغيرة.

فالرئيس الإسرائيلي يعتمد تاريخيًا على دعم الحزب الجمهوري واللوبيات المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، لكن المؤشرات الحالية تشير إلى أن هذا الدعم لم يعد بنفس القوة أو الثبات السابق.

كما أن التحولات داخل المجتمع الأمريكي تجعل من الصعب افتراض استمرار الدعم غير المشروط، خصوصًا مع تنامي الأصوات المنتقدة للسياسات الإسرائيلية في الإعلام ومراكز الأبحاث.

وتشير التطورات الأخيرة إلى تغير في الصورة الذهنية لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، حيث لم تعد تُقدم فقط كحليف استراتيجي، بل أيضًا كقوة إقليمية تخضع لانتقادات متزايدة بشأن سياساتها في المنطقة.

ويرى خبراء أن هذا التحول في الصورة العامة قد ينعكس تدريجيًا على مستوى الدعم السياسي والعسكري، حتى وإن ظل التعاون الأمني قائمًا في مستوياته الأساسية.

هل يتجه التحالف نحو نموذج جديد؟

رغم قوة العلاقات المؤسسية بين البلدين، إلا أن كثيرًا من التحليلات تشير إلى أن التحالف الأمريكي–الإسرائيلي قد يتجه نحو مرحلة «إعادة تعريف»، بدلًا من استمرار النموذج التقليدي القائم على الدعم غير المشروط.

فالتعاون العسكري والاستخباراتي لا يزال قويًا، لكن القرار السياسي بات أكثر ارتباطًا بالتحولات الداخلية الأمريكية، وبات يخضع لنقاشات أوسع داخل الكونغرس والإعلام والرأي العام.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في واشنطن وتل أبيب هو: هل ما زالت العلاقة الخاصة بين البلدين كما كانت في السابق؟

فبين تصريحات سياسية مثيرة للجدل، وتغيرات في الرأي العام، وخلافات حول ملفات إقليمية حساسة، يبدو أن الإجابة لم تعد بسيطة كما كانت في الماضي.

وفي النهاية، لا يبدو أن التحالف الأمريكي–الإسرائيلي يقترب من الانهيار، لكنه بالتأكيد يدخل مرحلة اختبار حقيقية قد تعيد تشكيل ملامحه لعقود قادمة.

فبين الثوابت التاريخية والمتغيرات السياسية، يقف هذا التحالف اليوم أمام مفترق طرق، حيث لم يعد السؤال هو «هل يستمر؟» فقط، بل «بأي شكل سيستمر؟» وكيف ستُعاد صياغة العلاقة في عالم أكثر تعقيدًا وتغيرًا من أي وقت مضى.