مضيق هرمز يشهد اختبارًا جديدًا للحروب الذكية.. كيف تم إنقاذ طاقم الأباتشي؟
في تطور جديد يعكس التحولات المتسارعة في طبيعة الحروب الحديثة، نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في تنفيذ عملية إنقاذ غير مسبوقة لطاقم مروحية عسكرية سقطت قرب مضيق هرمز، وذلك باستخدام زورق بحري مسيّر دون وجود أي عناصر بشرية على متنه.
وتعد هذه العملية الأولى من نوعها التي تنفذ فيها مركبة بحرية غير مأهولة مهمة إنقاذ حقيقية في ظروف عملياتية معقدة، ما يبرز الدور المتنامي للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم العمليات العسكرية.
أول عملية إنقاذ بحرية دون تدخل بشري
كشفت مصادر عسكرية أمريكية أن عملية الإنقاذ جرت الإثنين الماضي بالقرب من مضيق هرمز، حيث تعرضت مروحية من طراز "أباتشي" لحادث أدى إلى سقوطها في المياه. وبحسب ما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن المروحية أسقطت خلال التوترات المتصاعدة في المنطقة.
وأكد المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية، الكابتن تيم هوكينز، أن زورقًا بحريًا مسيرًا من طراز "كورسير" تمكن من الوصول إلى الطيارين وتأمينهما في موقع الحادث قبل نقلهما إلى نقطة آمنة، تمهيدًا لاستكمال عملية الإنقاذ بواسطة مروحية أخرى.
وأشار إلى أن العملية بأكملها استغرقت نحو ساعتين، وحققت أهدافها بنجاح دون تسجيل أي خسائر إضافية، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرًا على مستقبل العمليات العسكرية البحرية.
قوة المهام 59 وتوسيع استخدام الأنظمة غير المأهولة
يعمل الزورق المسيّر ضمن قوة المهام 59 التابعة للأسطول الخامس الأمريكي، وهي وحدة أنشأتها البحرية الأمريكية عام 2021 بهدف اختبار وتطوير الأنظمة غير المأهولة وتقنيات الذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط.
ومنذ تأسيسها، ركزت هذه القوة على دمج المركبات البحرية ذاتية التشغيل في العمليات العسكرية اليومية، بما يشمل المراقبة البحرية وجمع المعلومات الاستخباراتية وتأمين الممرات المائية الحيوية.
ويرى مسؤولون أمريكيون أن هذه الأنظمة توفر قدرات كبيرة بتكاليف أقل مقارنة بالوسائل التقليدية، كما تقلل المخاطر التي قد يتعرض لها الجنود خلال تنفيذ المهام الخطرة.
خبراء: المهمة تكشف قدرات جديدة للزوارق المسيّرة
اعتبر الباحث الأمريكي براين كلارك، من معهد هدسون الأمريكي، أن الدور الذي لعبه الزورق المسيّر خلال عملية الإنقاذ كان مفاجئًا، لأن الاستخدام المعتاد لهذه الأنظمة يقتصر غالبًا على مهام المراقبة والاستطلاع.
وأوضح أن نجاح المركبة في تنفيذ عملية إنقاذ حقيقية يثبت قدرتها على التكيف مع أدوار جديدة، مشيرًا إلى أن الجيوش الحديثة تبحث باستمرار عن وسائل تسمح بتنفيذ المهام المعقدة مع تقليل الاعتماد على العنصر البشري في البيئات الخطرة.
وأضاف أن التجربة قد تشجع القوات البحرية حول العالم على توسيع استخدام المركبات غير المأهولة في مجالات متعددة تتجاوز الأدوار التقليدية.
استراتيجية أمريكية لتطوير الأساطيل الذكية
سبق أن أكد الأدميرال الأمريكي براد كوبر، الذي شغل منصب نائب قائد الأسطول الخامس الأمريكي، أن المركبات غير المأهولة تمثل عنصرًا أساسيًا في مستقبل العمليات البحرية.
وأشار في تصريحات سابقة إلى أن دمج الذكاء الاصطناعي مع المركبات البحرية المسيّرة يسمح بنشر أعداد كبيرة من الوحدات البحرية بتكاليف منخفضة، مع زيادة كفاءة السفن المأهولة وقدرتها على التركيز على المهام الأكثر تعقيدًا.
كما شدد مسؤولون أمريكيون على أن الجمع بين السفن التقليدية والمركبات غير المأهولة يمنح القوات البحرية مرونة أكبر، ويصعّب على الخصوم تتبع الأهداف أو استهدافها.
مواصفات متقدمة لزورق "كورسير"
الزورق الذي نفذ مهمة الإنقاذ طورته شركة أمريكية متخصصة في التقنيات البحرية الحديثة. ويبلغ طول المركبة نحو 24 قدمًا، وتعمل بمحرك ديزل يسمح لها بالإبحار لفترات طويلة دون الحاجة إلى تدخل بشري مباشر.
ودخلت هذه المركبة الخدمة في منطقة الشرق الأوسط خلال مارس الماضي، حيث خضعت لسلسلة من الاختبارات المكثفة للتأكد من قدرتها على العمل في البيئات البحرية الصعبة.

وأظهرت التجارب أن الزورق قادر على تحمل ظروف بحرية قاسية قد يصعب على الأطقم البشرية العمل خلالها، كما يمكنه مواصلة العمل بشكل مستقل لأكثر من خمسين يومًا متواصلًا.
استخدامات عسكرية وإنسانية متزايدة
لم تعد الأنظمة البحرية غير المأهولة تقتصر على عمليات المراقبة فقط، بل باتت تستخدم في مهام متنوعة تشمل تعقب الغواصات وإزالة الألغام البحرية ومراقبة الحدود والممرات المائية، إضافة إلى دعم العمليات الدفاعية.
ويرى خبراء عسكريون أن نجاح عملية الإنقاذ الأخيرة يفتح الباب أمام توظيف هذه التكنولوجيا في المهام الإنسانية أيضًا، سواء خلال الكوارث الطبيعية أو عمليات البحث والإنقاذ في البحار والمحيطات.
وأكد الباحث الأمريكي سكوت سافيتز، من مؤسسة راند الأمريكية، أن كثيرين يربطون الأنظمة غير المأهولة بالعمليات الهجومية فقط، لكن التجربة الأخيرة أثبتت قدرتها على أداء أدوار إنسانية مهمة قد تسهم في إنقاذ الأرواح وتقليل المخاطر على فرق الإنقاذ التقليدية.
مستقبل جديد للحروب البحرية
تعكس عملية الإنقاذ قرب مضيق هرمز حجم التحول الذي تشهده الجيوش الحديثة نحو الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية التشغيل. فمع استمرار التطور التكنولوجي، تتجه المؤسسات العسكرية إلى توسيع استخدام المركبات غير المأهولة في البر والبحر والجو، ليس فقط في العمليات القتالية، بل أيضًا في مهام الدعم اللوجستي والإنقاذ والمراقبة.
ويبدو أن نجاح المهمة الأمريكية الأخيرة سيشكل نقطة تحول مهمة في مسار تطوير الحروب البحرية، حيث باتت التكنولوجيا قادرة على تنفيذ مهام كانت حتى وقت قريب تتطلب وجود أطقم بشرية كاملة، ما يفتح آفاقًا جديدة أمام مستقبل العمليات العسكرية حول العالم.