مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

30 ساعة بين النار والدخان

كيف نجت حاملة الطائرات جيرالد آر فورد من كارثة كادت تُغرقها؟

نشر
الأمصار

"اعتقدت أننا سنفقد السفينة.. كان الخيار إما القتال أو الموت"، بهذه الكلمات الصادمة وصف أحد البحارة الأمريكيين اللحظات العصيبة التي عاشها على متن حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس جيرالد آر فورد" أثناء اندلاع حريق هائل كاد أن يتحول إلى واحدة من أخطر الكوارث البحرية في تاريخ البحرية الأمريكية الحديث.

هل تعود جيرالد فورد للحرب على إيران بعد صيانتها في كرواتيا؟ | MEO

وكشف تقرير موسع نشرته شبكة CNN الأمريكية، استناداً إلى شهادات أفراد من الطاقم ومقاطع فيديو تم تصويرها داخل السفينة، أن حجم الحريق والأضرار الناتجة عنه كان أكبر بكثير مما أعلنته البحرية الأمريكية في بياناتها الرسمية، والتي أكدت وقتها أن الحادث تم احتواؤه بسرعة وأن تأثيره على قدرات السفينة كان محدوداً.. لكن ما ظهر لاحقاً كشف قصة مختلفة تماماً.

مشاهد دمار داخل أغلى سفينة حربية أمريكية

الصور ومقاطع الفيديو التي حصلت عليها الشبكة الأمريكية أظهرت دماراً واسعاً داخل أجزاء من الحاملة العملاقة.

فقد تحولت مقصورات نوم البحارة إلى هياكل سوداء متفحمة، بينما غطى الرماد الأرضيات والجدران، وتدلت الأسلاك الكهربائية من الأسقف التي التهمتها النيران جزئياً.

وأظهرت التقديرات أن نحو 600 بحار فقدوا إمكانية استخدام أماكن إقامتهم بسبب الأضرار الكبيرة التي لحقت بالمقصورات، ما أجبر الطاقم على إعادة توزيع أماكن النوم خلال فترة الانتشار العسكري الطويلة.

ولم تتوقف الأزمة عند هذا الحد، إذ واجه البحارة مشكلات متواصلة في أنظمة الصرف الصحي، نتيجة انسدادات متكررة تسببت في تعطيل عدد كبير من المراحيض، الأمر الذي زاد من صعوبة الحياة اليومية على متن السفينة خلال الأشهر التالية للحادث.

حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تدخل «المتوسط» على وقع تهديدات بضرب إيران

فشل نظام الإطفاء الآلي

أحد أخطر ما كشفه التقرير يتمثل في تعطل نظام الإطفاء الآلي الذي كان من المفترض أن يحتوي الحريق بشكل تلقائي فور اندلاعه.

وبحسب شهادات البحارة ومسؤول أمريكي رفيع المستوى، فإن النظام لم يؤدِّ دوره بالشكل المطلوب، ما أجبر مئات البحارة على التدخل المباشر لمواجهة النيران ومنع انتشارها إلى أجزاء أكثر حساسية من السفينة.

وقال عدد من أفراد الطاقم إن الحريق لم يكن ينبغي أن يصل أساساً إلى هذه المرحلة الخطيرة، لو أن الأنظمة المصممة لهذا الغرض عملت بالكفاءة المطلوبة.

ومع استمرار اشتعال النيران، تحولت السفينة إلى ساحة معركة حقيقية بين أفراد الطاقم واللهب المتصاعد، حيث شارك الجميع تقريباً في عمليات الإخماد والسيطرة على الأضرار.

30 ساعة متواصلة من المواجهة

بحسب المعلومات التي أوردتها CNN، استغرقت عمليات مكافحة الحريق ومنع تجدد اشتعاله نحو 30 ساعة متواصلة.

وخلال تلك الساعات الطويلة، عمل البحارة في ظروف بالغة الصعوبة وسط حرارة مرتفعة ودخان كثيف ومخاوف متزايدة من وصول النيران إلى أنظمة أكثر حساسية قد تؤدي إلى كارثة أكبر.

وأكد عدد من أفراد الطاقم أن أكثر ما أثار القلق لم يكن الحريق نفسه فقط، بل احتمال فقدان السيطرة عليه في ظل وجود آلاف الأطنان من الوقود والمعدات العسكرية والطائرات على متن السفينة.

وكانت الأولوية القصوى تتمثل في منع امتداد الحريق إلى مناطق تشغيل الطائرات أو مخازن المعدات الرئيسية.

تأثير الحريق على القدرات القتالية

ورغم تأكيد البحرية الأمريكية في البداية أن السفينة بقيت "جاهزة للعمل بالكامل"، فإن شهادات البحارة ومسؤولين أمريكيين كشفت أن الواقع كان مختلفاً.

فقد احتاجت الحاملة إلى يومين كاملين قبل أن تتمكن من استئناف عملياتها الجوية بشكل طبيعي.

كما اضطرت للتوجه إلى أحد الموانئ اليونانية لإجراء إصلاحات عاجلة ومؤقتة قبل مواصلة مهمتها.

ويرى مسؤولون أمريكيون أن التصريحات الرسمية قللت من حجم التأثير الحقيقي للحادث على جاهزية السفينة القتالية، خاصة أن الحريق وقع في فترة كانت تشهد توترات عسكرية متصاعدة في منطقة الشرق الأوسط.

حاملة الطائرات الأمريكية «جيرالد آر فورد» تغادر الشرق الأوسط

مهمة استثنائية وسط تصاعد التوتر مع إيران

جاء الحادث خلال واحدة من أطول مهام الانتشار في تاريخ الحاملة، حيث استمرت المهمة نحو 11 شهراً متواصلة.

وخلال تلك الفترة لعبت "جيرالد آر فورد" دوراً محورياً في العمليات العسكرية الأمريكية بالبحر الأحمر وشرق البحر المتوسط، كما شاركت طائراتها في تنفيذ ضربات استهدفت مواقع مرتبطة بإيران.

ويتذكر بعض البحارة لحظات التوتر التي عاشوها أثناء انتشار السفينة في المنطقة، مؤكدين أنهم كانوا يتلقون إنذارات متكررة عند رصد صواريخ أو طائرات مسيّرة تقترب من نطاق العمليات.

وكانت السفينة في حالة استعداد دائم لاحتمال التعرض لهجوم مباشر، الأمر الذي جعل حادث الحريق أكثر خطورة في ظل الظروف الأمنية المحيطة.

لماذا تعد "جيرالد آر فورد" سفينة استثنائية؟

تُعد "يو إس إس جيرالد آر فورد" أحدث وأضخم حاملات الطائرات الأمريكية، ودخلت الخدمة رسمياً عام 2017 بتكلفة تجاوزت 13 مليار دولار، لتصبح أغلى سفينة حربية تم بناؤها في التاريخ.

وتتميز الحاملة بتقنيات متطورة للغاية، أبرزها نظام الإطلاق الكهرومغناطيسي للطائرات، الذي يسمح بتشغيل أنواع متعددة من الطائرات المقاتلة والمسيرات بكفاءة أعلى من الأنظمة التقليدية.

كما تمثل رأس الحربة في القوة البحرية الأمريكية حول العالم، وتُعتبر أحد أهم أدوات الردع الاستراتيجي للولايات المتحدة.

أكبر حاملة طائرات بالعالم تتجه نحو إيران.. "يو إس إس جيرالد فورد" تطل

جاهزية البحارة أنقذت السفينة

يرى خبراء عسكريون أن ما منع تحول الحادث إلى كارثة استراتيجية كبرى لم يكن التكنولوجيا المتقدمة الموجودة على متن السفينة، بل سرعة استجابة البحارة وقدرتهم على التعامل مع الأزمة.

وأكد هانتر ستيرز، الخبير السابق في الاستراتيجيات البحرية بوزارة البحرية الأمريكية، أن الحريق وتسرب المياه يظلان أخطر تهديدين لأي سفينة حربية في العالم.

وأضاف أن فلسفة البحرية الأمريكية تعتمد منذ عقود على تدريب الأطقم على احتواء الأضرار والتعامل مع أسوأ السيناريوهات الممكنة، وهو ما أثبت فعاليته خلال هذه الحادثة.

ومع انتهاء مهمة الانتشار وعودة الحاملة إلى قاعدة نورفولك بولاية فرجينيا خلال مايو الماضي، تشير تقديرات مسؤولين أمريكيين إلى أن السفينة قد تحتاج إلى عام كامل على الأقل قبل أن تصبح جاهزة للانتشار العملياتي مرة أخرى، ما يعكس حجم التحديات الفنية والإصلاحات المطلوبة بعد واحدة من أخطر الحوادث التي تعرضت لها أكبر وأغلى حاملة طائرات في الأسطول الأمريكي.