مفاوضات القاهرة.. اختبار حاسم لمستقبل غزة وسط صراع السلاح وإعادة الإعمار
في ظل تصاعد المخاوف من عودة الحرب الشاملة إلى قطاع غزة وتزايد التحذيرات من سيناريوهات التهجير وتفكك الأوضاع الداخلية، تستضيف القاهرة جولة جديدة من المفاوضات السياسية والأمنية التي تُعد من أكثر المحطات حساسية منذ بدء مسار التهدئة.
وتأتي الاجتماعات المرتقبة وسط رهانات متباينة للأطراف المعنية، بين مساعٍ مصرية ودولية لإنقاذ اتفاق وقف إطلاق النار ووضع خريطة طريق لإدارة القطاع، وتمسك الفصائل الفلسطينية بمواقفها بشأن مستقبل السلاح والحكم، في وقت تواصل فيه إسرائيل فرض شروطها الأمنية وتكثيف ضغوطها الميدانية.

وتحتضن العاصمة المصرية، السبت المقبل، جولة جديدة من المباحثات بمشاركة وفود من مصر وقطر وتركيا إلى جانب ممثلين عن الفصائل الفلسطينية، وبحضور الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بهدف استكمال النقاشات المتعلقة بالمرحلة الثانية من الرؤية التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الأزمة في قطاع غزة.
وتتمحور المفاوضات حول وضع آليات عملية لتنفيذ ما يُعرف بـ«خطة غزة»، وحسم الملفات الأكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل سلاح الفصائل، وتشكيل اللجنة الوطنية المكلفة بإدارة القطاع خلال المرحلة المقبلة.
ويرى الوزير الفلسطيني السابق والخبير في الشؤون الإسرائيلية سفيان أبو زايدة أن الاجتماعات الحالية تمثل امتدادًا لجولات سابقة عُقدت قبل أسابيع وشهدت تباينات واضحة بشأن الورقة التي قدمها ملادينوف، والتي يعتبرها الوسطاء إطارًا متكاملًا للحل، رغم ما تتضمنه من نقاط تحتاج إلى مزيد من التوضيح والتوافق.
وأوضح أبو زايدة أن الفصائل الفلسطينية ستبحث خلال اجتماعات القاهرة سبل تجاوز العقبات التي واجهت المفاوضات السابقة، إلى جانب مناقشة مقترحات الوسطاء والاطلاع على أي أفكار جديدة قد يطرحها ملادينوف بهدف الحفاظ على مسار الاتفاق ومنع انهياره.
ويبرز ملف السيطرة الأمنية على غزة باعتباره العقدة الأبرز في المشهد التفاوضي، إذ يسعى مجلس السلام، وفقًا لأبو زايدة، إلى الوصول إلى مرحلة تتخلى فيها حركة حماس عن سيطرتها الأمنية والإدارية على القطاع تنفيذًا لقرار مجلس الأمن رقم 2803، والورقة التنفيذية التي تضم 15 بندًا والمستندة إلى الرؤية الأمريكية الأوسع.

غير أن تحقيق هذا الهدف، بحسب أبو زايدة، يتطلب ضمانات دولية حقيقية تلزم إسرائيل بتنفيذ التزاماتها، في ظل استمرار الشكوك الفلسطينية بشأن نوايا تل أبيب وغياب الثقة في تعهداتها السياسية والأمنية.
وفي المقابل، تربط حركة حماس قضية السلاح بأي أفق سياسي أو تسوية وطنية شاملة، معتبرة أن الحديث عن نزع السلاح بمعزل عن إنهاء الاحتلال أو التوصل إلى حل سياسي دائم يمثل طرحًا غير واقعي، وهو ما يتعارض مع رؤية الوسطاء ومجلس السلام، ويجعل هذا الملف محور الخلاف الرئيسي خلال المفاوضات.
كما لا تزال ترتيبات تشكيل اللجنة الوطنية وآليات دمج الكوادر المدنية والشرطية التابعة لحماس داخل المنظومة الإدارية الجديدة محل نقاش، وسط مطالب فلسطينية بالحصول على تفاصيل أوضح بشأن طبيعة المرحلة الانتقالية وصلاحيات الجهات التي ستتولى إدارة القطاع.
وعلى مستوى الحسابات السياسية، تراهن حماس، وفق تقديرات أبو زايدة، على متغيرات إقليمية ودولية قد تؤدي إلى تعديل المواقف الإسرائيلية، من بينها التوترات المتعلقة بإيران، والتطورات على الجبهة اللبنانية، بالإضافة إلى الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة، وهو ما يدفع الحركة إلى تجنب تقديم تنازلات جوهرية في الوقت الحالي.
لكن الخبير الفلسطيني حذر من أن أي حكومة إسرائيلية مقبلة قد تضم شخصيات أكثر تشددًا تجاه غزة، مثل غادي أيزنكوت ونفتالي بينت وأفيغدور ليبرمان، الأمر الذي قد يفرض تحديات أكبر على مستقبل القطاع ومسار التسوية.
وفي الداخل الفلسطيني، تتصاعد المخاوف من تدهور الأوضاع الأمنية والاجتماعية، خاصة مع الحديث عن تشكيل كيانات أهلية لحفظ الاستقرار في بعض مناطق شمال القطاع.
ويرى مراقبون أن استمرار حالة الانقسام وغياب الحلول السياسية قد يدفع غزة نحو حالة من الفوضى والانفلات الأمني، وهو ما قد تستغله إسرائيل لتمرير مخططات أوسع تتعلق بإعادة رسم الواقع الديموغرافي والسياسي للقطاع.
وتكتسب التحركات المصرية أهمية خاصة في هذا التوقيت، في ظل قلق القاهرة من احتمالات استئناف العمليات العسكرية واسعة النطاق أو الدفع باتجاه تهجير سكان غزة خارج أراضيهم، فضلاً عن سعيها للحفاظ على الاستقرار الإقليمي ومنع اتساع دائرة الصراع.
وكانت المفاوضات غير المباشرة التي انطلقت منذ منتصف مارس الماضي قد واجهت تعثرًا ملحوظًا بسبب الخلافات حول خريطة الطريق التي طرحها ملادينوف، والتي تنص على تثبيت وقف إطلاق النار، وفتح المعابر، وتطبيق البروتوكول الإنساني، وتشكيل قوة دولية للإشراف على الاستقرار وإعادة الإعمار، إلى جانب تنفيذ برنامج تدريجي لسحب السلاح تحت إشراف دولي.
في المقابل، اقترحت حماس معالجة قضية السلاح ضمن إطار وطني شامل تشارك فيه السلطة الفلسطينية ويقود إلى تشكيل حكومة تكنوقراط موحدة، مع رفض ربط الملفات الإنسانية وإعادة الإعمار بإجراءات نزع السلاح.
وتزداد الشكوك الفلسطينية تجاه المسار التفاوضي مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية والتصريحات الصادرة عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس بشأن مستقبل غزة، وهو ما تعتبره الحركة مؤشرات على رغبة إسرائيل في فرض وقائع جديدة على الأرض بدلًا من الالتزام الكامل بتفاهمات التهدئة.