مخاوف التوطين تشعل الجدل حول ملف المهاجرين في ليبيا.. تفاصيل
تشهد ليبيا خلال الفترة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في حالة الجدل والتوتر المرتبطة بملف المهاجرين غير الشرعيين، وذلك عقب تداول معلومات بشأن حصول عدد من المهاجرين على تصاريح إقامة صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة لدى قطاعات من الرأي العام الليبي من إمكانية تحول وجود المهاجرين داخل البلاد إلى إقامة دائمة أو ما يُعرف بعمليات التوطين.
وأثارت هذه الأنباء ردود فعل واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث أطلق ناشطون ليبيون دعوات للاحتجاج أمام مقر مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في العاصمة الليبية طرابلس، مطالبين بوقف الأنشطة التي يرون أنها قد تساهم في استقرار المهاجرين داخل الأراضي الليبية بصورة دائمة، مؤكدين رفضهم لأي مشاريع أو مبادرات تتعلق بإدماج المهاجرين داخل المجتمع الليبي.
ويعد ملف الهجرة غير الشرعية من أكثر القضايا تعقيدًا في ليبيا خلال السنوات الأخيرة، نظرًا لموقع البلاد الجغرافي الذي يجعلها نقطة عبور رئيسية لعشرات الآلاف من المهاجرين القادمين من دول إفريقية مختلفة في طريقهم إلى السواحل الأوروبية. إلا أن تزايد أعداد الوافدين خلال الأعوام الماضية أثار مخاوف متنامية لدى المواطنين بشأن التأثيرات المحتملة على الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
ويعتقد عدد من الليبيين أن أزمة الهجرة لم تعد مرتبطة فقط بعبور مؤقت نحو أوروبا، بل تحولت في بعض المناطق إلى واقع أكثر تعقيدًا مع ظهور تجمعات سكنية وأسواق عشوائية يقطنها مهاجرون خارج الأطر الرسمية، وهو ما دفع الكثيرين إلى المطالبة باتخاذ إجراءات أكثر صرامة لتنظيم الوجود الأجنبي داخل البلاد.
وفي المقابل، حذرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الليبية التابعة لحكومة الوحدة الوطنية من الانسياق وراء الشائعات أو الدعوات التحريضية التي يتم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن مثل هذه الحملات قد تؤدي إلى نتائج سلبية لا تخدم المصلحة الوطنية الليبية.

وأكدت الوزارة في بيان رسمي تمسك الدولة الليبية برفض أي محاولات لتوطين المهاجرين غير القانونيين داخل البلاد، مشددة في الوقت ذاته على ضرورة احترام القوانين الدولية والحفاظ على أمن البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية العاملة في ليبيا، بما يضمن حماية المصالح الوطنية والأمن القومي الليبي.
ومن جانبه، أعرب مقرر المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا أحمد حمزة عن قلقه من تنامي خطاب الكراهية والتحريض ضد المهاجرين والأجانب المقيمين داخل البلاد، مشيرًا إلى أن تصاعد هذه الحملات عبر المنصات الرقمية قد يؤدي إلى زيادة التوترات الاجتماعية وتهديد سلامة فئات واسعة من المهاجرين.
وأوضح أن التحريض ضد الوافدين قد ينعكس سلبًا على الاستقرار المجتمعي، داعيًا إلى التعامل مع القضية في إطار القانون واحترام حقوق الإنسان، بعيدًا عن الخطابات التي قد تؤدي إلى أعمال عنف أو انتهاكات ضد الأفراد.
وتواجه السلطات الليبية تحديات كبيرة في إدارة ملف الهجرة غير النظامية، خاصة مع استمرار تدفق المهاجرين عبر الحدود الجنوبية للبلاد. وتشير بيانات وزارة الداخلية الليبية إلى وجود نحو 2.5 مليون أجنبي داخل ليبيا، فيما تؤكد الإحصائيات أن ما يقارب 80% منهم دخلوا البلاد بطرق غير قانونية، دون تسجيل رسمي للإقامة أو الالتزامات الإدارية المرتبطة بها.
ويأتي الجدل المتصاعد في وقت تسعى فيه المؤسسات الليبية إلى إيجاد حلول متوازنة للتعامل مع ملف الهجرة، بما يحافظ على الأمن والاستقرار الداخلي من جهة، ويلتزم بالمعايير الإنسانية والدولية المتعلقة بحقوق المهاجرين واللاجئين من جهة أخرى، وسط استمرار المطالب الشعبية باتخاذ إجراءات أكثر حزمًا لمواجهة ظاهرة الهجرة غير الشرعية وتداعياتها المختلفة على الدولة الليبية.