روسيا تعزز نفوذها في ليبيا عبر بوابة حفتر والسراج
شهد الملف الليبي خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في الحضور الروسي، بعدما نجحت موسكو في العودة تدريجيًا إلى الساحة الليبية مستفيدة من تعقيدات المشهد السياسي والأمني، إلى جانب تراجع فاعلية المبادرات الدولية الرامية إلى توحيد المؤسسات الليبية وإنهاء الانقسام الداخلي.
وجاءت التحركات الروسية بالتزامن مع تنامي نفوذ موسكو في منطقة الشرق الأوسط عقب تدخلها العسكري في سوريا، وهو ما منح الكرملين مساحة أوسع لإعادة ترتيب حضوره في عدد من الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها الأزمة الليبية.
وبرز اسم قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر باعتباره أحد أبرز حلفاء موسكو داخل ليبيا، خاصة بعد الزيارات المتعددة التي أجراها إلى العاصمة الروسية خلال عام 2016، والتي عكست مستوى التقارب السياسي والعسكري بين الطرفين.
كما ساهمت الزيارة المرتقبة لرئيس حكومة الوفاق الليبية آنذاك فايز السراج إلى موسكو في تأكيد تنامي الدور الروسي داخل ليبيا، حيث حرصت موسكو على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف الليبية، في محاولة لترسيخ نفسها كوسيط رئيسي في الأزمة.
وتسعى روسيا، بحسب مراقبين، إلى استعادة نفوذها الاقتصادي والسياسي الذي فقدته عقب سقوط نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي عام 2011، خاصة أن موسكو كانت تمتلك قبل ذلك علاقات استراتيجية واسعة مع ليبيا شملت صفقات تسليح ومشروعات اقتصادية ضخمة.
وخلال العقود الماضية، كانت ليبيا واحدة من أبرز شركاء الاتحاد السوفييتي في منطقة شمال أفريقيا، حيث أبرم الجانبان اتفاقيات تسليح كبيرة، كما تواجد آلاف المستشارين العسكريين السوفييت داخل الأراضي الليبية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
وفي عام 2008، نجحت روسيا في توقيع اتفاقيات اقتصادية وعسكرية جديدة مع ليبيا بعد زيارة العقيد الليبي الراحل معمر القذافي إلى موسكو، حيث تم الاتفاق حينها على إسقاط ديون ليبية بمليارات الدولارات مقابل توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين.
كما حصلت شركات روسية على عقود استثمارية ضخمة داخل ليبيا، من بينها مشروع لإنشاء خط سكك حديدية يربط بين مدينتي سرت وبنغازي، قبل أن تتوقف تلك المشروعات بعد اندلاع الأحداث التي شهدتها البلاد عام 2011.
وتعتبر موسكو أن التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي في ليبيا شكّل نقطة تحول مهمة في السياسة الخارجية الروسية، خاصة أن القيادة الروسية رأت أن قرار مجلس الأمن الخاص بالتدخل استُخدم لإسقاط النظام الليبي، وهو ما ولّد حالة من الحذر الروسي تجاه التحركات الغربية في المنطقة.
ويرى محللون أن التجربة الليبية دفعت روسيا لاحقًا إلى اتخاذ موقف أكثر تشددًا في الملف السوري، حيث استخدمت حق النقض “الفيتو” عدة مرات داخل مجلس الأمن لمنع صدور قرارات ضد الحكومة السورية.
وفي الداخل الليبي، وجدت روسيا في المشير خليفة حفتر شخصية قادرة على حماية مصالحها وتعزيز نفوذها، خاصة مع سيطرته على مناطق واسعة شرق البلاد واعتماده خطابًا معاديًا للجماعات المسلحة والتنظيمات المتشددة.

ورغم الدعم الروسي الواضح لحفتر، فإن موسكو حرصت في الوقت ذاته على عدم خسارة حكومة طرابلس، حيث تبنت سياسة تقوم على التواصل مع جميع الأطراف الليبية دون الانحياز الكامل لطرف واحد، بما يتيح لها لعب دور سياسي مؤثر في أي تسوية مستقبلية.
كما عملت روسيا على توسيع حضورها الاقتصادي داخل ليبيا، حيث قامت بطباعة كميات كبيرة من العملة الليبية لصالح السلطات الموجودة في شرق البلاد، وهو ما أثار آنذاك اعتراضات من المصرف المركزي الليبي في طرابلس.
ويؤكد مراقبون أن التحركات الروسية في ليبيا لا تقتصر فقط على البعد الداخلي، بل ترتبط أيضًا بحسابات إقليمية ودولية أوسع، خاصة مع وجود أطراف عديدة منخرطة في الأزمة الليبية، من بينها مصر والإمارات وتركيا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة.
وتحاول موسكو الاستفادة من علاقاتها مع هذه القوى الإقليمية والدولية لتعزيز موقعها كلاعب رئيسي في شمال أفريقيا، دون التورط في تدخل عسكري مباشر قد يهدد مصالحها في مناطق أخرى، وعلى رأسها سوريا.
كما تراهن روسيا على أن دورها في ليبيا قد يمنحها أوراق ضغط إضافية في مواجهة الغرب، خاصة في ظل ارتباط الأزمة الليبية بملفات الهجرة غير الشرعية والطاقة والأمن الإقليمي.
ويرى خبراء أن السياسة الروسية في ليبيا تقوم على مبدأ تحقيق التوازن بين مختلف القوى المتصارعة، مع السعي لتأمين شريك قوي وموثوق داخل البلاد يضمن لموسكو موطئ قدم دائم سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا في منطقة شمال أفريقيا.