من حاملة طائرات لمحطة طاقة نووية عائمة.. تعرف على المهام الجديدة لـ"جيرالد فورد"
تستعد البحرية في الولايات المتحدة الأمريكية لإجراء اختبار ميداني غير مسبوق خلال فصل الصيف المقبل، يهدف إلى تقييم قدرة حاملة الطائرات العملاقة المجهزة بمفاعلين نوويين على تزويد إحدى القواعد البحرية الرئيسية في ولاية فيرجينيا بالكهرباء، في خطوة تعكس تحولاً مهماً في مفهوم استخدام الأصول العسكرية ضمن منظومة الأمن القومي والطاقة في وقت الأزمات.
ويأتي هذا الاختبار في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل الولايات المتحدة الأمريكية من احتمالات تعرض البنية التحتية الحيوية لهجمات إلكترونية أو أعمال تخريبية أو كوارث طبيعية قد تؤدي إلى انقطاع واسع في التيار الكهربائي عن المنشآت العسكرية والمدنية الحساسة. وفي هذا السياق، تعمل وزارة الدفاع الأمريكية على تطوير خطط بديلة تضمن استمرار تشغيل القواعد الاستراتيجية حتى في أسوأ السيناريوهات الممكنة.
الاختبار المرتقب سيشمل حاملة الطائرات النووية العملاقة التي تتخذ من قاعدة بحرية كبرى في ولاية فيرجينيا مقراً لها، حيث سيتم ربط أنظمتها الكهربائية بشبكة القاعدة البحرية لتغذيتها بالطاقة عند الحاجة، في تجربة تُعد الأولى من نوعها بهذا الحجم والتعقيد داخل الأسطول الأمريكي الحديث.
وتعتمد هذه الحاملة على مفاعلين نوويين عاليي القدرة، صُمما لتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل السفينة بكل أنظمتها المعقدة، بما في ذلك أنظمة الدفع والرادارات والطائرات المتمركزة على متنها، إضافة إلى دعم طاقم يتراوح عدده بين آلاف البحارة والعسكريين. وتنتج هذه المفاعلات فائضاً كبيراً من الطاقة يمكن نظرياً توجيهه إلى خارج السفينة، وهو ما تسعى البحرية الأمريكية لاختباره عملياً.
وتشير تقديرات فنية إلى أن هذه الفئة من حاملات الطائرات قادرة على إنتاج مئات الميغاواطات من الطاقة الحرارية، ما يجعلها أقرب إلى محطة طاقة عائمة متنقلة، يمكن توظيفها ليس فقط في العمليات القتالية، بل أيضاً في دعم البنية التحتية الحيوية خلال الأزمات.
ويأتي هذا التوجه في ظل تغير طبيعة التهديدات التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية، حيث لم تعد المخاطر مقتصرة على المواجهات العسكرية التقليدية، بل امتدت لتشمل هجمات سيبرانية متطورة تستهدف شبكات الكهرباء، إضافة إلى تهديدات متزايدة من الطائرات المسيرة بعيدة المدى التي يمكن استخدامها في استهداف القواعد العسكرية.
كما أن بعض المنشآت العسكرية الكبرى، مثل القواعد البحرية في ولاية فيرجينيا، تُعد من المواقع الاستراتيجية الحساسة التي تضم وحدات بحرية متقدمة، ما يجعل الحفاظ على استمرارية الطاقة فيها أولوية قصوى ضمن خطط الأمن القومي.

الفكرة ليست جديدة بالكامل في التاريخ العسكري، إذ سبق أن استخدمت القوات البحرية في الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى سفناً لتوليد الطاقة في حالات الطوارئ خلال القرن الماضي.
فقد تم في فترات سابقة تشغيل سفن عائمة لتزويد مناطق ساحلية بالكهرباء عندما تعرضت الشبكات الأرضية لانهيارات بسبب الظروف المناخية أو الحرب.
لكن الجديد في هذه التجربة هو الاعتماد على حاملة طائرات نووية حديثة، تمتلك قدرات إنتاج طاقة هائلة مقارنة بأي منصات سابقة، ما يفتح الباب أمام إعادة تعريف دور هذه السفن الضخمة خارج إطارها العسكري التقليدي.
وفي حال نجاح هذا الاختبار، قد تتوسع البحرية الأمريكية في دراسة إمكانية استخدام حاملات الطائرات غير المنتشرة في العمليات القتالية كمصادر طاقة احتياطية للمنشآت الحيوية داخل البلاد، خاصة في أوقات الطوارئ أو الكوارث الكبرى.
كما أن هذا التوجه يتماشى مع خطط أوسع داخل الحكومة الأمريكية لتطوير مصادر طاقة مرنة وموثوقة، بما في ذلك التوسع في استخدام المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية لتزويد القواعد العسكرية بالطاقة بشكل مستقل عن الشبكات المدنية التقليدية.
ورغم المزايا المحتملة لهذا المشروع، إلا أنه يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالأمن والحماية، حيث إن تمركز حاملة طائرات ضخمة داخل ميناء يجعلها أكثر عرضة للتهديدات مقارنة بوجودها في عرض البحر، ما يستلزم إجراءات أمنية معقدة لحمايتها ومنع استهدافها في أي سيناريو تصعيدي محتمل.
كما أن تحويل منصة عسكرية قتالية إلى مصدر طاقة دائم للمنشآت البرية يتطلب تنسيقاً دقيقاً بين الجهات العسكرية والمدنية، إضافة إلى تحديثات تقنية لضمان توافق الأنظمة الكهربائية وسلامة التشغيل على المدى الطويل.
وفي المقابل، يرى خبراء في الشأن العسكري والطاقة أن هذه الخطوة تمثل اتجاهاً جديداً في التفكير الاستراتيجي داخل الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يتم توسيع مفهوم القوة العسكرية ليشمل دعم الاستقرار الداخلي والبنية التحتية الوطنية، وليس فقط الردع الخارجي.
ويُنظر إلى هذا التطور على أنه جزء من إعادة صياغة أدوار الأساطيل البحرية في القرن الحادي والعشرين، في ظل عالم يتسم بتداخل التهديدات بين العسكري والتقني والبيئي، ما يدفع القوى الكبرى إلى البحث عن حلول غير تقليدية لضمان الاستمرارية التشغيلية في كل الظروف.
وفي حال أثبتت التجربة نجاحها، فقد تصبح حاملات الطائرات النووية جزءاً من منظومة الطوارئ الوطنية في الولايات المتحدة الأمريكية، ليس فقط كأدوات حرب، بل أيضاً كمحطات طاقة متنقلة قادرة على دعم المدن والقواعد الحيوية عند الحاجة، وهو ما قد يغير بشكل جذري مفهوم القوة البحرية الحديثة.