ماذا حقق ترمب فعلياً من الصين بشأن إيران؟
شهدت الساحة الدولية خلال الأيام الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في التوترات السياسية والأمنية، مع تحركات أميركية مكثفة على أكثر من جبهة، بدءاً من الحرب المرتبطة بإيران ومضيق هرمز، وصولاً إلى التصعيد ضد كوبا، وإعلان واشنطن تنفيذ عمليات نوعية ضد تنظيم «داعش» في أفريقيا.
وفي قلب هذه التطورات، برزت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الصين باعتبارها محطة محورية سعت من خلالها الإدارة الأميركية إلى اختبار قدرة بكين على لعب دور مؤثر في احتواء الأزمة الإيرانية، وسط مخاوف عالمية من انعكاسات الحرب على الاقتصاد والطاقة والأمن الدولي.
ترمب في بكين... محاولة لاختبار النفوذ الصيني على إيران
اتجهت الأنظار إلى العاصمة الصينية بكين مع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإجراء محادثات مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، في وقت تشهد فيه المنطقة الخليجية تصعيداً غير مسبوق بسبب الحرب المرتبطة بإيران وإغلاق مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً أساسياً لتدفق النفط العالمي.

وجاءت الزيارة وسط توقعات بأن تسعى واشنطن إلى دفع الصين لاستخدام نفوذها السياسي والاقتصادي على طهران، خصوصاً أن بكين تُعد الشريك التجاري الأكبر لإيران وأهم مستورد لنفطها، فضلاً عن العلاقات السياسية الوثيقة بين البلدين.
لكن المؤشرات الأولية الصادرة عن الجانبين الأميركي والصيني أظهرت أن نتائج المحادثات لم تُحدث تحولاً جوهرياً في موقف بكين تجاه الأزمة الإيرانية، رغم التصريحات التي صدرت عقب اللقاءات الرسمية.
تباين أميركي بشأن دور الصين
أثارت التصريحات الأميركية بعد الاجتماع تساؤلات عديدة بشأن حقيقة ما دار خلف الأبواب المغلقة. ففي مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، قال ترمب إن الرئيس الصيني عرض المساعدة في إنهاء النزاع مع إيران، معتبراً أن بكين يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تخفيف التصعيد.
غير أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قدّم رواية مختلفة، إذ أكد في مقابلة مع شبكة «إن بي سي نيوز» أن الولايات المتحدة لم تطلب رسمياً من الصين التدخل أو التوسط مع إيران.
هذا التباين في المواقف الأميركية عكس حالة من الغموض بشأن طبيعة التفاهمات الحقيقية بين واشنطن وبكين، وما إذا كانت الإدارة الأميركية تعوّل فعلاً على دور صيني مباشر في إدارة الأزمة.
مضيق هرمز في صلب المحادثات
بحسب بيان البيت الأبيض، فقد ركزت المحادثات بين ترمب وشي على ملف مضيق هرمز، الذي يشهد توترات متصاعدة بعد اتهامات أميركية لإيران بعرقلة حركة الملاحة وفرض قيود على عبور السفن.

وأكد البيان أن الجانبين اتفقا على ضرورة بقاء المضيق مفتوحاً أمام حركة التجارة والطاقة العالمية، كما شددا على رفض امتلاك إيران سلاحاً نووياً.
لكن اللافت أن الصين أبدت تحفظاً واضحاً تجاه بعض الطروحات الأميركية، إذ أشار البيان إلى أن شي جينبينغ عبّر عن معارضة بلاده لعسكرة المضيق أو فرض رسوم على استخدامه، في موقف يعكس تمسك بكين برؤيتها التقليدية القائمة على حماية حرية الملاحة ورفض التصعيد العسكري.
الصين تتمسك بموقفها التقليدي
ورغم الضغوط الأميركية، بدا أن الصين لم تغيّر موقفها بصورة فعلية. فقد اكتفت الخارجية الصينية بالتأكيد على أن بكين تدعم الحوار والحلول السياسية، مع الدعوة إلى الحفاظ على أمن الملاحة في مضيق هرمز.
ولم يتضمن البيان الصيني أي إشارة إلى تبني مطالب أميركية جديدة أو ممارسة ضغوط إضافية على طهران، ما اعتبره مراقبون دليلاً على أن بكين لا ترغب في الانخراط المباشر في الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران.
ويرى محللون أن الصين تنظر إلى الأزمة الإيرانية من زاوية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، إذ تعتمد بشكل كبير على النفط الإيراني، كما تسعى إلى تجنب أي مواجهة قد تهدد استقرار أسواق الطاقة أو تؤثر على خططها الاقتصادية العالمية.
حدود النفوذ الأميركي على بكين
أظهرت تصريحات ترمب نفسه إدراكاً لحدود القدرة الأميركية على التأثير في الموقف الصيني. فعندما سُئل عما إذا كان شي جينبينغ سيضغط على الإيرانيين للاستجابة للمطالب الأميركية، أجاب قائلاً إن الرئيس الصيني «لا يأتي بالسلاح ولا يطلق النار»، مضيفاً أنه كان «جيداً جداً».
هذا التصريح عكس قناعة متزايدة داخل الإدارة الأميركية بأن الصين لن تتبنى بالكامل الرؤية الأميركية بشأن إيران، حتى مع وجود مصالح مشتركة تتعلق باستقرار الملاحة وأسواق الطاقة.
التصعيد الأميركي ضد كوبا
بالتوازي مع الملف الإيراني، فتحت واشنطن جبهة جديدة مع كوبا، بعدما كشفت تقارير أميركية أن إدارة ترمب تستعد للإعلان عن توجيه تهم جنائية ضد الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو.
وبحسب مسؤول في وزارة العدل الأميركية، فإن الاتهامات المرتقبة تتعلق بحادثة إسقاط طائرتين مدنيتين عام 1996 كانت تقلان معارضين كوبيين، وهي القضية التي شكلت واحدة من أبرز نقاط التوتر بين واشنطن وهافانا خلال العقود الماضية.
وتأتي هذه الخطوة في إطار سياسة أميركية أكثر تشدداً تجاه الحكومة الكوبية الحالية، التي تصفها إدارة ترمب بأنها «فاسدة وغير كفؤة»، وسط ضغوط متزايدة تهدف إلى إحداث تغييرات سياسية داخل الجزيرة.
زيارة نادرة لمدير «سي آي إيه» إلى هافانا
وفي تطور لافت، أجرى مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف زيارة نادرة إلى العاصمة الكوبية هافانا، في خطوة اعتُبرت محاولة لفتح قنوات تواصل مباشرة مع القيادة الكوبية.
وبحسب تقارير إعلامية أميركية، حمل راتكليف رسالة من الرئيس ترمب مفادها أن واشنطن مستعدة للتعاون الاقتصادي والأمني مع كوبا، لكن بشرط تنفيذ «تغييرات جوهرية» في سياسات الحكومة الكوبية.
وتأتي هذه التحركات في وقت تعاني فيه كوبا من أزمة طاقة حادة تُعد الأسوأ منذ عقود، ما يضع الحكومة الكوبية تحت ضغوط اقتصادية وشعبية متزايدة.
واشنطن تعلن القضاء على قيادي بارز في «داعش»
على الصعيد الأمني، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنفيذ عملية عسكرية مشتركة بين القوات الأميركية والنيجيرية أسفرت عن مقتل أبو بلال المينوكي، الذي وصفه بأنه الرجل الثاني في القيادة العالمية لتنظيم «داعش».
وقال ترمب إن العملية استهدفت «أخطر إرهابي ناشط في العالم»، مؤكداً أن المينوكي كان يشارك في التخطيط لهجمات ضد المصالح الأميركية.
ويعكس هذا الإعلان استمرار تركيز واشنطن على مكافحة التنظيمات المتشددة في أفريقيا، خصوصاً مع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل وغرب أفريقيا خلال السنوات الأخيرة.
مشهد دولي شديد التعقيد
تكشف هذه التطورات المتلاحقة عن مشهد دولي بالغ التعقيد، تتداخل فيه ملفات الطاقة والأمن والصراعات الجيوسياسية بصورة متسارعة. ففي الوقت الذي تحاول فيه واشنطن احتواء الأزمة الإيرانية عبر الضغط السياسي والتحركات الدبلوماسية، تبدو الصين حريصة على الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها مع إيران ومصالحها مع الولايات المتحدة.
كما أن التصعيد الأميركي ضد كوبا، بالتزامن مع العمليات العسكرية ضد «داعش»، يعكس توجهاً أميركياً نحو توسيع نطاق التحركات الخارجية على أكثر من محور، في محاولة لإعادة ترسيخ النفوذ الأميركي عالمياً.
ومع استمرار التوتر في الخليج، وتزايد المخاوف من اضطراب أسواق الطاقة، تبقى الأنظار متجهة نحو الخطوات المقبلة لكل من واشنطن وبكين وطهران، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد انفراجاً دبلوماسياً أم مزيداً من التصعيد الدولي.