مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

إيران وحزب الله.. هل ينجح لبنان في فك «عقدة النفوذ» واستعادة سيادته؟

نشر
الأمصار

يشهد لبنان واحدة من أكثر المراحل السياسية حساسية في تاريخه الحديث، مع تصاعد التحركات الداخلية والخارجية الرامية إلى إعادة ضبط ميزان القوى داخل الدولة، وتقليص نفوذ حزب الله المدعوم من إيران، في إطار محاولة أوسع لاستعادة مؤسسات الدولة اللبنانية لسلطتها الكاملة.

وفي ظل تغيرات إقليمية متسارعة، وضغوط دولية متزايدة، يدخل لبنان مرحلة سياسية جديدة قد تُعيد تعريف علاقته بكل من إيران وإسرائيل، وربما تفتح الباب أمام إعادة صياغة مفهوم السيادة اللبنانية ذاته بعد عقود من التداخل بين الدولة والقوى المسلحة غير الرسمية.

بداية التحول: مفاوضات مباشرة مع إسرائيل لأول مرة منذ عقود

في خطوة وُصفت بأنها تحول تاريخي في السياسة اللبنانية، أعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون في أبريل/نيسان الماضي انفتاح بلاده على مفاوضات سياسية مباشرة مع إسرائيل، وهو تطور غير مسبوق منذ عقود من الصراع والعداء.

هذا التحول لم يكن مجرد تطور دبلوماسي، بل يعكس تغيرًا أعمق في رؤية الدولة اللبنانية لنفسها، حيث باتت بيروت تحاول إعادة تقديم نفسها كدولة ذات سيادة كاملة، وليست ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

ويرى مراقبون أن هذا المسار يعكس محاولة لبنانية جادة لإعادة ضبط قواعد الاشتباك مع إسرائيل، ولكن أيضًا لإعادة تعريف العلاقة المعقدة مع إيران عبر تقليص نفوذ حزب الله السياسي والعسكري داخل الدولة.

حزب الله في قلب المعادلة.. من “المقاومة” إلى “عقدة الدولة”

يشكل حزب الله اليوم محور الجدل السياسي في لبنان، حيث يرى خصومه أنه تحول من حركة مقاومة إلى قوة عسكرية وسياسية موازية للدولة، تمتلك قرار الحرب والسلم وتؤثر بشكل مباشر على السياسة الخارجية اللبنانية.

وفي المقابل، يصر الحزب على أنه جزء من النسيج اللبناني، وأن سلاحه مرتبط بـ«مقاومة إسرائيل»، وليس مشروعًا خارجيًا.

لكن الواقع السياسي على الأرض يشير إلى تعقيد أكبر، حيث بات وجود الحزب العسكري خارج إطار الدولة يشكل أحد أكبر العوائق أمام بناء مؤسسات سيادية موحدة.

وتؤكد تقارير تحليلية أن استمرار هذا الوضع يجعل لبنان عرضة لضغوط خارجية متزايدة، ويحد من قدرته على اتخاذ قرارات مستقلة في ملفات الحرب والسلام.

إيران ولبنان.. علاقة نفوذ تتجاوز السياسة

لطالما شكّل لبنان أحد أهم ساحات النفوذ الإيراني في المنطقة، حيث تعتمد طهران على حزب الله كذراع إقليمي أساسي في استراتيجيتها الشرق أوسطية.

لكن التحولات الإقليمية الأخيرة، بما في ذلك الضغوط الاقتصادية على إيران والتغيرات العسكرية والسياسية في المنطقة، جعلت هذا النفوذ يواجه تحديات غير مسبوقة.

وتشير تحليلات سياسية إلى أن إيران تستخدم ورقة حزب الله في المفاوضات الإقليمية، ليس فقط كأداة دعم عسكري، بل كوسيلة ضغط سياسية في ملفات أوسع تتعلق بالأمن الإقليمي والتوازنات الدولية.

واشنطن تدخل على الخط.. فصل الملف اللبناني عن الإيراني

في تطور لافت، اتجهت الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب إلى فصل الملف اللبناني عن المفاوضات مع إيران، في خطوة اعتُبرت تحولًا استراتيجيًا في السياسة الأمريكية تجاه لبنان.

هذا القرار يعني عمليًا أن واشنطن لم تعد ترى لبنان مجرد جزء من الملف الإيراني، بل كدولة مستقلة ينبغي التعامل معها بشكل مباشر.

ويرى مراقبون أن هذا التحول قد يفتح الباب أمام دعم دولي أكبر لمؤسسات الدولة اللبنانية، خاصة الجيش اللبناني، في مقابل الضغط على حزب الله للحد من نفوذه العسكري.

وفي الوقت نفسه، فإن هذا النهج يزيد من عزلة إيران سياسيًا فيما يتعلق بملف لبنان، ويضعف قدرتها على استخدامه كورقة تفاوضية في ملفات أخرى.

معادلة القوة الجديدة: دولة مقابل سلاح خارج الدولة

لبنان اليوم يقف أمام معادلة شديدة التعقيد:

  • إما دولة تمتلك قرار الحرب والسلم عبر مؤسساتها الرسمية
  • أو استمرار نفوذ قوى مسلحة خارج إطار الدولة مثل حزب الله

هذه المعادلة ليست سياسية فقط، بل تمس جوهر فكرة الدولة اللبنانية الحديثة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن أي حل مستقبلي يجب أن يتضمن إعادة دمج كل القوى المسلحة ضمن مؤسسات الدولة، وهو ما يشكل التحدي الأكبر في أي تسوية داخلية.

المفاوضات مع إسرائيل.. بين الضرورة والمخاطرة

إطلاق مفاوضات مباشرة مع إسرائيل يمثل نقطة تحول حساسة في السياسة اللبنانية، حيث يرى البعض أنها فرصة لإنهاء حالة الصراع المزمنة، بينما يعتبرها آخرون خطوة محفوفة بالمخاطر قد تؤدي إلى انقسامات داخلية.

لكن من منظور استراتيجي، يرى محللون أن هذه المفاوضات قد تكون “نافذة ضرورية” لإعادة ترتيب العلاقة مع الجنوب اللبناني وملف الحدود، خاصة في ظل التوترات المستمرة في المنطقة.

كما أن إسرائيل، وفقًا لقراءات سياسية، قد تكون معنية أيضًا بنجاح هذه المفاوضات، ليس حبًا في لبنان، بل لتجنب فراغ أمني قد يملؤه حزب الله في حال انهيار أي ترتيبات مستقبلية.

سلاح حزب الله.. العقدة الأصعب في أي تسوية

رغم كل التحركات السياسية، يبقى ملف سلاح حزب الله هو العقدة الأكثر تعقيدًا.

فالحزب يرفض أي نقاش حول نزع سلاحه، ويعتبر ذلك خطًا أحمر مرتبطًا بوظيفة “المقاومة”.

لكن في المقابل، تشير تطورات إقليمية إلى أن هذه المعادلة قد تتغير تحت ضغط ثلاثة عوامل رئيسية:

  1. تراجع النفوذ الإقليمي الإيراني نسبيًا
  2. تصاعد الموقف العربي الرافض لوجود سلاح خارج الدولة
  3. الإرهاق الداخلي اللبناني بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية والحروب

هذه العوامل مجتمعة قد تفتح الباب أمام نقاش سياسي مختلف حول مستقبل السلاح في لبنان، حتى لو لم يصل إلى نزع كامل وفوري.

الجيش اللبناني.. الورقة الحاسمة في مستقبل الدولة

في أي سيناريو مستقبلي، يبقى الجيش اللبناني هو المؤسسة الوحيدة القادرة على لعب دور محوري في إعادة بناء الدولة.

وتشير الرؤى الدولية إلى أن تقوية الجيش ودعمه عسكريًا وسياسيًا يمثل شرطًا أساسيًا لأي استقرار طويل الأمد في لبنان.

لكن التحدي يكمن في مدى قدرة الجيش على الانتشار الفعلي في مناطق النفوذ التقليدية لحزب الله، دون أن يؤدي ذلك إلى صدام داخلي.

الاقتصاد والسياسة.. دولة على حافة الانهيار

لا يمكن فصل الأزمة السياسية في لبنان عن الوضع الاقتصادي المتدهور، حيث يعاني البلد من واحدة من أسوأ الأزمات المالية في العالم خلال السنوات الأخيرة.

هذا الانهيار جعل الدولة أكثر هشاشة أمام النفوذ الخارجي، سواء الإيراني أو غيره، وقلل من قدرتها على فرض سيادتها الكاملة.

كما أن الأزمة الاقتصادية زادت من اعتماد شرائح واسعة من المجتمع على القوى السياسية والطائفية، ما يعقد أي محاولة لإعادة بناء دولة مركزية قوية.

هل يمكن فك ارتباط لبنان بمحور إيران؟

السؤال الأهم الذي يطرح نفسه اليوم: هل يمكن للبنان فعلاً فك ارتباطه بمحور النفوذ الإيراني؟

الإجابة ليست بسيطة، فالعلاقة بين لبنان وإيران عبر حزب الله ليست علاقة سياسية فقط، بل تمتد إلى بنية اجتماعية وعسكرية واقتصادية معقدة.

لكن في المقابل، هناك مؤشرات على أن التوازنات الإقليمية بدأت تتغير، وأن قدرة أي طرف على فرض سيطرته المطلقة أصبحت أقل من السابق.

سيناريوهات المستقبل: ثلاثة احتمالات رئيسية

يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات لمستقبل لبنان:

1. تسوية تدريجية

دمج حزب الله ضمن إطار سياسي وعسكري للدولة بشكل تدريجي، مع ضمانات إقليمية ودولية.

2. استمرار الوضع الحالي

بقاء التوازن الهش بين الدولة وحزب الله دون حسم، مع استمرار الأزمات الاقتصادية والسياسية.

3. تصعيد داخلي أو إقليمي

حدوث مواجهة سياسية أو عسكرية تعيد خلط الأوراق بالكامل.

لبنان اليوم ليس مجرد دولة تمر بأزمة سياسية، بل دولة تقف أمام إعادة تعريف كاملة لهويتها السياسية والسيادية.

فبين الضغوط الدولية، والنفوذ الإيراني، وواقع حزب الله الداخلي، والمفاوضات مع إسرائيل، يجد لبنان نفسه في قلب معادلة إقليمية معقدة.

لكن المؤكد أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان لبنان سيستعيد دوره كدولة مستقلة ذات قرار موحد، أم سيبقى ساحة مفتوحة لتجاذبات القوى الإقليمية والدولية.

وفي كل الأحوال، فإن مستقبل لبنان لن يُحسم في بيروت وحدها، بل في توازنات المنطقة بأكملها.