مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

فيلم The Devil Wears Prada يعود بعد 20 عامًا بصراع الموضة والذكاء الاصطناعي

نشر
الأمصار

تعود نجمة هوليوود ميريل ستريب، بعد مرور عشرين عامًا، إلى واحدة من شخصياتها الأيقونية «ميراندا»، بصحبة آن هاثاواي، وإيميلي بلانت، وستانلي توتشي، في الجزء الثاني من فيلم The Devil Wears Prada.

وبدأ عرض الفيلم في أنحاء العالم، إذ يمكن ملاحظة تأثيره السريع على منصات التواصل الاجتماعي، من خلال انتشار ثيم الألوان المرتبطة بالشخصيات الرئيسية (الأحمر، والأبيض، والأسود) بين الجمهور المتجه لمشاهدته.

ويجمع الفيلم طاقم التمثيل الأصلي، إلى جانب المخرج ديفيد فرانكل والكاتبة ألين بروش ماكينا، مع مجموعة جديدة من الشخصيات المرتبطة بالأحداث المستحدثة. ويُعد الجزء الأول معالجة درامية لرواية صدرت عام 2003 للكاتبة لورين وايزبرجر، والمستوحاة من تجربتها الشخصية خلال عملها في مجلة فوغ مع رئيسة تحريرها الراحلة آنا وينتور.

بين الجزء الأول والثاني لـ The Devil Wears Prada

طرح العمل، في جزئه الأول، معالجة درامية لعالم الموضة عبر نقد السلطة والنجاح المهني داخل بيئات العمل التنافسية، والضغوط التي تقع على عاتق الفرد عند دخوله هذه الصناعة، من خلال شخصيات ميراندا وآندي ساكس وإيميلي.

وتعكس كل شخصية منظومة قيم مختلفة في التعامل مع العمل؛ إذ تُقدَّم ميراندا بوصفها تجسيدًا صارمًا للسلطة، بحضور يفرض الرهبة والانضباط. ولا يكتفي الفيلم بتصويرها كمديرة قاسية، لكنه يلمّح إلى كونها نتاج منظومة لا ترحم، يكون فيها البقاء للأكثر قدرة على التضحية، وهو ما يتناقض مع أفكار آندي التي تسعى إلى تحقيق حلمها بأن تصبح صحفية تروي قصص الناس، دون تقديم تنازلات جوهرية.

ويحمل الفيلم نبرة نقدية واضحة تجاه ثقافة العمل التي تمجّد الإرهاق، وتربط القيمة المهنية بالامتثال الكامل، وهي القضية التي كانت محورًا رئيسيًا عند عرض الجزء الأول، في وقت كان ملايين الشباب يركضون داخل دوائر مهنية مغلقة بحثًا عن التحقق في مطلع الألفية الجديدة.

ويواصل الجزء الثاني من الفيلم تقديم نقد للواقع والتشابك معه، لكن بصيغة تناسب عام 2026؛ عالم أكثر ضغطًا وتعقيدًا، يتجه بقوة إلى الرقمنة والاعتماد على الذكاء الاصطناعي، مع تغيّر أنماط السلوك لدى الجمهور الجديد المستخدم للهواتف الذكية، وتراجع الاهتمام بالصحافة التقليدية، وتقليص أعداد العاملين فيها، وخفض ميزانياتها مقابل توجيه الإنفاق نحو الانتشار الإلكتروني والمؤثرين.

وتظهر هذه القضايا بوصفها محاور رئيسية في الفيلم، ضمن دراما متصاعدة ومشوقة، لا تعتمد على الرسائل المباشرة، بل على تسلسل درامي متماسك يكشفها تدريجيًا.

التحدي الرقمي في مواجهة البشر

تشكّل ميراندا وآندي فريقًا في الجزء الجديد، في تحالف يرمز إلى الدفاع عن القيم الجمالية، والفروق الفردية، والأصالة، في مواجهة كل ما هو رقمي وسريع ومعلّب. وتصرخ آندي في المشهد الأول قائلة: «الصحافة لا تزال مهمة»، بعد قرار فصلها من الصحيفة ضمن خطة تقليل النفقات، رغم حصولها على جائزة مهمة عن أسلوبها في سرد القصص الصحفية، في عالم بات لا يهتم إلا بعدد النقرات والمشاركات والمشاهدات وما تدرّه من أرباح وإعلانات.

ويشكّل هذا التحالف محورًا دلاليًا مهمًا، إذ لا يأتي بوصفه مصالحة تقليدية بين شخصيتين كانتا على طرفي نقيض، لكنه يبدو تقاطعًا فرضته تحولات العصر؛ فالعالم الذي كانت تهيمن عليه ميراندا بقواعده الصارمة لم يعد كما كان، بل صار يهدد بإقصائها، فيما تجد آندي نفسها أمام واقع أكثر تعقيدًا لا يمكن التعامل معه بالأدوات القديمة ذاتها.

ويعكس هذا التحالف إدراكًا ضمنيًا بأن التحدي لم يعد داخليًا بين الفرد والمؤسسة، بل أصبح خارجيًا في مواجهة منظومة رقمية تفرض إيقاعها على الجميع، لتتحول المعركة إلى سؤال أعمق حول معنى القيمة: هل تُقاس بالانتشار والسرعة، أم بالأثر والعمق؟

ويظهر ذلك بوضوح في مشاهد عدة، مثل الحديث عن قيمة مقالات آندي في صحيفة «رانواي»، التي لم تحقق انتشارًا واسعًا في البداية، مقابل تقدير القصص المنشورة في الصحافة المطبوعة، بالتوازي مع صعود المقاطع القصيرة على منصات التواصل الاجتماعي.

ويبلغ هذا التناقض ذروته في مشهد داخل قاعة الطعام بدير سانتا ماريا ديلي غراتسي في ميلانو، حيث تظهر لوحة «العشاء الأخير» خلفية للمشهد، بينما تجد ميراندا نفسها محاصرة بأفكار مالك صحيفة «رانواي» الجديد الساعي للربح السريع، ومنافسة جديدة تدفع نحو استبدال البشر بالذكاء الاصطناعي في التصميمات وعروض الأزياء.

وتكشف دراما الفيلم هشاشة المعايير الجديدة؛ إذ يمكن لمحتوى سريع وعابر أن يحقق انتشارًا واسعًا، بينما تتراجع الأعمال التي تتطلب وقتًا وجهدًا لإنتاجها. وفي هذا السياق، يبدو عالم الموضة، الذي كان يُتهم سابقًا بالسطحية، أكثر تمسكًا بالحِرفة والهوية مقارنة بمحتوى رقمي سريع الزوال.

كما يسلّط الفيلم الضوء على التحولات التي طرأت على مفهوم النجاح، الذي لم يعد مرتبطًا بالترقي الوظيفي داخل مؤسسة بعينها، بل أصبح أقرب إلى حالة من الحضور المستمر، التي تتطلب من الفرد أن يكون منتجًا ومتاحًا طوال الوقت، بما يخلق نوعًا جديدًا من الضغط لا يقل قسوة عن ضغوط الماضي، لكنه يتخفى خلف شعارات الحرية والمرونة.

متعة بصرية لم يُفسدها التعمق في أزمات الواقع المعاصر

حصل فيلم The Devil Wears Prada على تقييمات مرتفعة رغم قصر فترة عرضه في دور السينما، إذ بلغ تقييمه 7 من 10 على منصة IMDb، و76% على منصة Rotten Tomatoes، ما يعكس حالة الإعجاب الجماهيري به. ويعود ذلك إلى قدرته على الجمع بين الطرح الفكري والمتعة البصرية، من خلال أناقة الشخصيات، والملابس اللافتة، والمواقع الساحرة في إيطاليا.

ووصفت مجلة Variety الفيلم في مراجعتها بأنه «فيلم مسلٍ لقطاع كبير من الجمهور»، فيما قال الناقد لودج جاي إنه «جزء ثانٍ صُنع بذكاء واحترام للجزء الأول وللجماهير الغفيرة التي لا تزال تعشق الفيلم».

أما الناقد بيتر برادشو، فكتب في صحيفة The Guardian أن الفيلم يمثل «إعادة تقديم لدراما قديمة بأسلوب أنيق وممتع»، مضيفًا أنه «فيلم ترفيهي ومبهج ويستحق المشاهدة»، بينما وصفت مجلة The New Yorker العمل بأنه «انعكاس ذكي لعصرنا الحالي».