تقرير حقوقي: قوانين الإرهاب في الجزائر تُستخدم لقمع المعارضة
كشف تقرير حديث صادر عن منظمة منّا لحقوق الإنسان عن اتساع نطاق استخدام تشريعات مكافحة الإرهاب في الجزائر خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن هذه القوانين تحولت إلى أداة رئيسية للسيطرة السياسية وتقييد الحريات، خاصة منذ توسعة المادة 87 مكرر من قانون العقوبات.
وأوضح التقرير أن الإطار القانوني لمكافحة الإرهاب في الجزائر بات يُستخدم بشكل متزايد لاستهداف المعارضين السلميين، بما في ذلك الصحفيون والنشطاء الحقوقيون والنقابيون، إلى جانب المدافعين عن حقوق الإنسان. وتُعد المادة 87 مكرر من قانون العقوبات الجزائري حجر الأساس في هذا الإطار القانوني، إذ وُصفت بأنها مادة واسعة وفضفاضة تسمح بتفسير الأفعال المرتبطة بالإرهاب بشكل قد يشمل الاحتجاجات السلمية والعمل الإعلامي والنشاط الحقوقي.
وأشار التقرير إلى أن هذه المادة أُدرجت لأول مرة في قانون العقوبات الجزائري عام 1995، ثم شهدت سلسلة من التعديلات في أعوام 2014 و2016 و2021 و2024، ما أدى إلى توسيع نطاق تعريف الإرهاب والجرائم المرتبطة به بصورة كبيرة. ووفقًا للمنظمة، فإن هذا التوسع المتتالي ساهم في زيادة قدرة السلطات على ملاحقة الأفراد بتهم تتعلق بالإرهاب حتى في حالات لا تتضمن أعمال عنف.
وأضاف التقرير أن خبراء حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة وجّهوا انتقادات متكررة إلى الإطار القانوني في الجزائر، معتبرين أن تعريف الإرهاب الوارد في المادة 87 مكرر يتسم بالغموض والاتساع، وهو ما يفتح المجال أمام استخدامه ضد ممارسات مشروعة مثل حرية التعبير والتجمع السلمي.
وبحسب التقرير، فقد شهدت الجزائر زيادة ملحوظة في أعداد الأشخاص الذين تمت ملاحقتهم أو احتجازهم بتهم مرتبطة بالإرهاب منذ اندلاع حركة الحراك الشعبي الجزائري عام 2019. ونقل التقرير عن المدافع عن حقوق الإنسان الجزائري زكي حنّاش، وهو سجين رأي سابق، أن أكثر من 1400 شخص سُجنوا لأسباب ذات طابع سياسي منذ بدء الحراك، حيث وُجّهت إلى عدد كبير منهم تهم تتعلق بالإرهاب أو تهديد أمن الدولة.
كما أشار التقرير إلى أن السلطات الجزائرية صنّفت في عام 2021 حركتي «رشاد» و**«حركة تقرير مصير منطقة القبائل (الماك)»** ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية، وهو قرار صدر عن المجلس الأعلى للأمن الجزائري، وهو هيئة استشارية يرأسها رئيس الجمهورية في الجزائر، ولا تخضع لرقابة قضائية مباشرة، بحسب ما ورد في التقرير.
وتناول التقرير عددًا من الحالات الفردية التي اعتبرها أمثلة على استخدام قوانين مكافحة الإرهاب ضد نشطاء سلميين. ومن بين تلك الحالات قضية المدافع عن حقوق الإنسان الجزائري محاد قاسمي، الذي صدر بحقه حكم بالسجن لمدة ست سنوات بتهمة «الإشادة بالإرهاب»، قبل الإفراج عنه لاحقًا بعفو رئاسي بعد قضائه أربع سنوات في السجن.
كما أشار التقرير إلى قضية المدافع عن حقوق الإنسان الجزائري أحمد منصري، رئيس فرع مدينة تيارت في الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، والذي وُجّهت إليه تهمة «الانتماء إلى منظمة إرهابية» بعد فترة قصيرة من مشاركته في لقاء مع أحد المقررين الخاصين للأمم المتحدة.
ومن بين القضايا التي سلط التقرير الضوء عليها أيضًا قضية الشاعر الجزائري محمد تجاديت، المعروف بنشاطه في الحراك الشعبي، والذي تم توقيفه عدة مرات منذ عام 2019. ووفقًا للتقرير، فقد حُكم عليه في يناير 2026 بالسجن ثلاث سنوات بعد توجيه اتهامات له تتعلق بالإشادة بالإرهاب واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لدعم أفكار مصنفة إرهابية.

وفي سياق متصل، تناول التقرير قضية النقابي الجزائري علي معمري، رئيس النقابة الوطنية لعمال قطاع الثقافة في الجزائر، الذي تم توقيفه في مارس 2025 بعد أيام قليلة من انتخابه رئيسًا للنقابة. وأشار التقرير إلى أنه حُكم عليه بالسجن 15 عامًا، قبل أن يتم تخفيض العقوبة إلى 10 سنوات في فبراير 2026، على خلفية اتهامات تتعلق بالإشادة بالإرهاب.
وأكد التقرير أن الانتقادات الدولية لهذا الإطار القانوني لم تتوقف منذ عام 2008، حيث أعربت عدة هيئات تابعة للأمم المتحدة، من بينها لجنة مناهضة التعذيب ولجنة حقوق الإنسان، عن مخاوفها من أن الصياغات الواسعة في المادة 87 مكرر لا تتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وقد تؤدي إلى تجريم ممارسات مشروعة مثل حرية التعبير والعمل الصحفي.
كما لفت التقرير إلى أن تعديلات عام 2021 أدخلت قائمة وطنية للأشخاص والكيانات المصنفة إرهابية في الجزائر، وهو ما أثار مخاوف إضافية لدى خبراء حقوق الإنسان، خاصة أن إدراج الأسماء في هذه القائمة قد يتم دون استكمال محاكمة قضائية كاملة، وهو ما قد يتعارض مع مبدأ افتراض البراءة.
وأشار التقرير إلى أن تعديلات عام 2024 زادت من تشديد العقوبات، بما في ذلك توسيع نطاق الجرائم المرتبطة بالإرهاب وإدخال عقوبات إضافية تتعلق بتمويل الإرهاب ونشر محتوى يُعتبر مضرًا بالمصلحة الوطنية، بما في ذلك عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
وفي ختام التقرير، دعت منظمة منّا لحقوق الإنسان السلطات في الجزائر إلى إجراء إصلاحات شاملة وعاجلة على الإطار القانوني لمكافحة الإرهاب، بما يضمن توافقه مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. كما طالبت المنظمة بتضييق تعريف الإرهاب في المادة 87 مكرر، وإخضاع آليات إدراج الأفراد في قوائم الإرهاب لرقابة قضائية مستقلة، إضافة إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع سجناء الرأي المحتجزين بسبب ممارستهم لحقوقهم الأساسية.
وأكد التقرير أن استمرار العمل بالإطار الحالي دون إصلاحات حقيقية قد يؤدي إلى مزيد من التضييق على الحريات العامة في الجزائر، ويؤثر سلبًا على الحيز المدني، في ظل استمرار استخدام قوانين مكافحة الإرهاب كوسيلة للضبط السياسي وملاحقة المعارضين السلميين.