مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

ارتباك هرمز.. كيف كشفت أزمة التصريحات المتضاربة عن خلل عميق في بنية القرار الإيراني؟

نشر
الأمصار

في مشهد يعكس حالة غير مسبوقة من الارتباك السياسي، تحوّل الإعلان المفاجئ عن فتح مضيق هرمز إلى أزمة داخلية في إيران، كشفت عن صراع مكتوم بين مراكز القوى داخل النظام. 

 

 

فبينما أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي أن الممر الملاحي بات مفتوحًا أمام السفن التجارية، جاء رد الحرس الثوري الإيراني سريعًا ومناقضًا، ليعيد طرح سؤال جوهري من يملك القرار الحقيقي في طهران؟

 

تضارب القرارات.. ساعات تفصل بين الإعلان والنقض

لم تمضِ سوى ساعات على إعلان فتح المضيق حتى خرج الحرس الثوري برسالة مغايرة تمامًا، مؤكدًا استمرار سيطرته الصارمة على الممر الحيوي، بل وذهب إلى أبعد من ذلك عبر استهداف سفن حاولت العبور. 

هذا التناقض لم يكن مجرد اختلاف في التصريحات، بل عكس ازدواجية واضحة في مراكز اتخاذ القرار.

التصعيد السريع أظهر أن القرار السياسي لا يسير في خط واحد داخل الدولة، وأن المؤسسات العسكرية قد تتقدم على الدبلوماسية في رسم السياسات الحساسة، خاصة تلك المرتبطة بأوراق الضغط الاستراتيجية.

 

انقسامات داخلية تطفو على السطح

التفاعل الداخلي مع الأزمة كان لافتًا، إذ تعرض وزير الخارجية لهجوم حاد من التيار المحافظ، الذي رأى في قراره تنازلًا غير مبرر. في المقابل، حاولت بعض الأصوات المعتدلة الدفاع عن الخطوة، لكنها قدمت تفسيرات متباينة، ما زاد من حالة الغموض.

هذا الانقسام يعكس جدلًا أعمق حول التخلي عن إحدى أهم أدوات الضغط التي تمتلكها إيران في مواجهة الولايات المتحدة، حيث يُعد مضيق هرمز شريانًا حيويًا لتجارة النفط العالمية.

 

أزمة رواية.. من يسيطر على السرد؟

في خضم هذا الارتباك، برزت مشكلة أخرى تتعلق بإدارة الرواية الإعلامية. فقد سارع دونالد ترامب إلى تقديم تفسيره الخاص للأحداث، مؤكدًا أن طهران قدمت تنازلات، من بينها ملفات تتعلق باليورانيوم المخصب.

غياب رد إيراني سريع ومتماسك سمح بترسيخ هذه الرواية دوليًا، ما أضعف الموقف التفاوضي لطهران، وأظهرها وكأنها تقدم تنازلات دون مقابل، خاصة مع استمرار الضغوط والعقوبات.

 

انتقادات إعلامية وسياسية واسعة

الهجوم لم يقتصر على النخبة السياسية، بل امتد إلى الإعلام المحلي، حيث انتقدت شخصيات بارزة طريقة إعلان القرار عبر منصات التواصل الاجتماعي بدلًا من مخاطبة الداخل الإيراني بشكل مباشر.

كما عبّرت وسائل إعلام مقربة من الحرس الثوري عن حالة “ضبابية” يعيشها الشارع، في ظل غياب تفسير واضح لما يجري. هذا الغموض زاد من حدة الانتقادات، وفتح الباب أمام تساؤلات حول شفافية صنع القرار.

 

خلل مؤسساتي يتجاوز الخلاف السياسي

ما كشفته الأزمة يتجاوز مجرد خلاف بين تيارات سياسية، ليصل إلى مستوى الخلل المؤسسي. فالهجوم العلني على وزير الخارجية يعكس محدودية سلطته، في مقابل نفوذ واسع للمؤسسة العسكرية التي تملك أدوات التنفيذ.

هذا التباين يطرح إشكالية جوهرية: هل المؤسسات السياسية في إيران قادرة فعليًا على اتخاذ قرارات مستقلة، أم أنها مجرد واجهة لقرارات تُصاغ في دوائر أخرى؟

 

غياب التنسيق.. أزمة في إدارة التفاوض

التداعيات لا تتوقف عند الداخل، بل تمتد إلى طاولة المفاوضات. فالدول الأخرى تجد نفسها أمام رسائل متناقضة، ما يضعف الثقة في أي التزامات محتملة من الجانب الإيراني.

في السابق، كانت القيادة العليا قادرة على ضبط الإيقاع وتوحيد الخطاب، لكن التطورات الأخيرة تشير إلى تراجع هذه القدرة، ما يجعل الموقف الإيراني أقل تماسكًا في الملفات الحساسة.

 

تغير موازين القوى داخل النظام

الأزمة الحالية تسلط الضوء أيضًا على تحولات أعمق داخل بنية السلطة، حيث يبدو أن الكفة تميل أكثر لصالح التيار العسكري. هذا التحول ينعكس في تعيين شخصيات قريبة من الحرس الثوري في مواقع مؤثرة، ما يقلل من دور المؤسسات السياسية التقليدية.

في ظل هذا الواقع، يصبح من الصعب تحقيق تنسيق فعّال بين مختلف مراكز القوى، خاصة في غياب وسيط قادر على إدارة الخلافات

أزمة أعمق من حادثة عابرة

ما حدث في مضيق هرمز ليس مجرد ارتباك عابر، بل مؤشر على أزمة بنيوية داخل النظام الإيراني. تعدد مراكز القرار، وتضارب الرسائل، وضعف التنسيق، كلها عوامل تعكس حالة من التشظي قد تؤثر على استقرار السياسات الخارجية.

ومع استمرار الضغوط الدولية، تبدو طهران أمام تحدٍ مزدوج وهو الحفاظ على تماسكها الداخلي، وفي الوقت نفسه إدارة علاقاتها الخارجية بقدر من الوضوح والمصداقية.