جدل في البنتاغون.. اقتباس سينمائي يُشعل نقاشاً حول الدين والحرب
أثار وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، موجة من الجدل داخل الأوساط السياسية والإعلامية، بعد أن اقتبس فقرة شهيرة من فيلم بالب فيكشن، خلال ترؤسه اجتماعاً للصلاة في مقر البنتاغون، مقدماً إياها على أنها آية من الكتاب المقدس.
الحادثة التي كشفتها صحيفة لوس أنجيلوس تايمز، أثارت تساؤلات حول استخدام الرموز الدينية في سياق سياسي وعسكري حساس، خاصة مع ربطها بالحرب الجارية مع إيران.
اقتباس مثير للجدل في سياق ديني
خلال صلاة شهرية لم تتجاوز الدقيقة، ألقى هيغسيث عبارة اعتبرها آية من الكتاب المقدس، لكنها في الأصل جزء من حوار أداه الممثل صامويل لا جاكسون في فيلم بابل فاكشون، في الفيلم، تُستخدم العبارة كتمهيد لمشهد عنيف، ما أضفى على الاقتباس في سياقه الجديد دلالات مثيرة للقلق.
ووفقاً لما نقله الحاضرون، فإن الوزير استخدم هذا الاقتباس لتبرير الحرب على إيران باعتبارها شكلاً من أشكال “العدالة الإلهية”، وهو ما فتح الباب أمام انتقادات حادة بشأن خلط الدين بالعمليات العسكرية.
“CSAR 25:17”.. بين الواقع والخيال
أوضح هيغسيث للحضور أنه تعلّم هذه العبارة من أحد كبار مخططي مهمة “ساندي 1”، وهي عملية إنقاذ حديثة لعناصر من سلاح الجو الأميركي داخل إيران. وأشار إلى أن فرق البحث والإنقاذ القتالية تردد هذا الدعاء بشكل متكرر، وتطلق عليه اسم “CSAR 25:17”، في إشارة اعتقد أنها تعود إلى سفر حزقيال من الكتاب المقدس.
غير أن النص الذي تلاه الوزير تضمن صياغات لا تتطابق مع النص الديني الأصلي، خاصة في سطوره الأخيرة، ما عزز الاتهامات بأنه استند إلى نص سينمائي أكثر من كونه مرجعاً دينياً.

جذور سينمائية للنص المقتبس
الجدل لم يتوقف عند حدود الفيلم الأميركي، إذ لفتت التقارير إلى أن المخرج كيونتين تارانيتو، استلهم جزءاً كبيراً من هذا الحوار من فيلم ياباني أقدم هو The Bodyguard، الذي قام ببطولته نجم الأكشن سوني تشيبا. هذا التسلسل في الاقتباس يعكس كيف انتقلت العبارة من سياق فني إلى خطاب رسمي داخل مؤسسة عسكرية.
ردود رسمية: نفي واتهامات بالإعلام
في مواجهة الانتقادات، سارع المتحدث باسم البنتاغون، سين بارنيل، إلى الدفاع عن الوزير، معتبراً أن الاتهامات الموجهة إليه تمثل “أخباراً كاذبة”.
وأوضح أن الدعاء المستخدم مستوحى من تقاليد لدى فرق الإنقاذ القتالية، وأنه يعكس في جوهره مضمون الآية 17 من سفر حزقيال.
وأضاف بارنيل عبر منصة X أن الربط بين الاقتباس والأداء السينمائي مبالغ فيه، مؤكداً أن الوزير لم يخطئ في فهم النص الديني.
انتقادات داخلية وضغوط غير معلنة
على الجانب الآخر، كشفت مصادر مطلعة داخل البنتاغون أن حضور هذه الصلوات، رغم كونه اختيارياً، يخضع لضغوط غير مباشرة، خاصة من المقربين لمكتب الوزير. وأشار محلل دفاعي رفيع إلى أن بعض المسؤولين يشعرون بضرورة “ملء المقاعد”، حتى لو كان ذلك على حساب مهامهم الأساسية.
وقال أحد المصادر، طالباً عدم الكشف عن هويته، إن هذه الاجتماعات تؤثر سلباً على سير العمل، مضيفاً: “لدينا قادة يغيبون عن ملفات عملياتية حساسة للاستماع إلى اقتباسات من فيلم، وهذا يبطئ اتخاذ قرارات حاسمة تتعلق بالحرب”.
خلفية سياسية: توتر مع الفاتيكان
تأتي هذه الواقعة في ظل توتر متصاعد بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والفاتيكان، حيث وجّه البابا ليو؛ انتقادات لاذعة للحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران.
وقد رد ترمب بسلسلة تصريحات حادة، معبّراً عن رفضه لتدخل البابا في الشأن السياسي الأميركي.
وفي بيان حديث، حذّر البابا من استغلال الدين لتحقيق أهداف عسكرية أو سياسية، قائلاً إن ذلك يمثل تدنيساً لما هو مقدس، في إشارة اعتبرها مراقبون موجهة بشكل غير مباشر إلى الخطاب المستخدم داخل بعض الدوائر الأميركية.
تعليق من صُنّاع الفيلم
المفارقة أن الجدل وصل أيضاً إلى صناع الفيلم أنفسهم، حيث علّق روجير آفاري، الشريك في كتابة سيناريو بالب فيكشن، قائلاً إنه لا يمانع استخدام هذا الاقتباس، طالما أنه يساهم في حماية الجنود.
هذا التعليق، رغم طابعه الساخر، يعكس التداخل غير المتوقع بين الثقافة الشعبية والسياسة، ويطرح تساؤلات أوسع حول حدود استخدام الرموز الفنية والدينية في الخطاب الرسمي، خاصة في أوقات النزاعات المسلحة.