مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

المعوقات الأربعة أمام المفاوضات الأمريكية الإيرانية لإنهاء الحرب

نشر
الأمصار

تتجه الأنظار مجددًا إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، حيث تستعد الولايات المتحدة وإيران لخوض جولة جديدة من المفاوضات في محاولة لإنهاء الحرب الدائرة وتخفيف حدة التوتر في الشرق الأوسط.

وتأتي هذه الجولة وسط ضغوط دولية متزايدة ورغبة معلنة من الطرفين في الوصول إلى اتفاق، إلا أن الطريق لا يزال محفوفًا بتعقيدات كبيرة تتعلق بتضارب المصالح، وتعدد الملفات، وغياب الثقة. 

وعلى الرغم من أن جولة أبريل 2026 أظهرت قدرًا من الجدية السياسية مقارنة بجولات سابقة، فإنها كشفت في الوقت ذاته عن تحديات عميقة تعرقل فرص التوصل إلى تسوية نهائية.

تشابك الملفات الخلافية

يُعد تعدد القضايا المطروحة على طاولة التفاوض أحد أبرز أسباب تعقيد المشهد. فالمفاوضات لا تقتصر على الملف النووي فحسب، بل تمتد إلى قضايا استراتيجية حساسة مثل السيطرة على مضيق هرمز، وبرنامج الصواريخ الباليستية، ودور إيران الإقليمي.

مضيق هرمز

في مقدمة هذه الملفات يأتي الخلاف حول حرية الملاحة في مضيق هرمز، حيث تسعى إيران إلى فرض سيطرة مباشرة على حركة السفن، بينما تصر الولايات المتحدة على إبقاء المضيق مفتوحًا دون قيود. هذا الخلاف يعكس أهمية المضيق كأحد أهم شرايين الطاقة العالمية، ويجعل أي تنازل فيه مسألة سيادية بالغة الحساسية.

أما الملف النووي، فيبقى النقطة الأكثر تعقيدًا، إذ تطالب واشنطن بتفكيك القدرات الإيرانية المرتبطة بتخصيب اليورانيوم، بينما تتمسك طهران بحقها في التخصيب ضمن الأطر الدولية. وتزداد الفجوة اتساعًا مع مطالبة إيران برفع العقوبات والإفراج عن أصولها المجمدة كشرط لبناء الثقة، وهو ما تراه واشنطن ورقة ضغط لا يمكن التفريط فيها بسهولة.

فجوة التوقعات وصعوبة الوصول إلى صفقة

تواجه المفاوضات تحديًا آخر يتمثل في اختلاف الرؤى حول شكل الاتفاق النهائي. فالولايات المتحدة تتبنى نهجًا قائمًا على فرض شروط واسعة النطاق تشمل تقليص البرنامج النووي والصاروخي الإيراني بشكل جذري، في حين تسعى إيران إلى اتفاق يضمن رفع العقوبات ويعترف بدورها الإقليمي.

وهذا التباين يعكس اختلافًا جوهريًا في فهم كل طرف لمعادلة القوة. فواشنطن ترى أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية قد تدفع طهران إلى تقديم تنازلات كبيرة، بينما تعتقد إيران أن عامل الوقت يعمل لصالحها، وأن قدرتها على الصمود تمنحها مساحة للمناورة.

وبين هذين المنظورين، تبدو فكرة الوصول إلى “صفقة شاملة” صعبة التحقيق، خاصة في ظل تمسك كل طرف بخطوط حمراء يصعب تجاوزها دون تكلفة سياسية داخلية.

انعدام الثقة وتأثيره على مسار التفاوض

يُعد غياب الثقة المتبادلة من أبرز العقبات التي تعرقل أي تقدم حقيقي. فالعلاقة بين الطرفين مثقلة بتاريخ طويل من الصراعات، ما يجعل كل خطوة تفاوضية محاطة بالشكوك.
إيران تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها طرفًا غير موثوق، خاصة في ظل استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية خلال فترات التفاوض. في المقابل، ترى واشنطن أن طهران تستخدم المفاوضات كوسيلة لكسب الوقت وتعزيز قدراتها الاستراتيجية.

هذا المناخ من الشك يدفع الطرفين إلى استخدام أوراق القوة بشكل مستمر، سواء عبر التصعيد العسكري أو التهديدات السياسية، وهو ما ينعكس سلبًا على فرص بناء أرضية مشتركة. كما أن غياب ضمانات واضحة لتنفيذ أي اتفاق محتمل يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل التوصل إلى تسوية دائمة أمرًا بالغ الصعوبة.

سوء التقدير وتعقيدات البعد التقني

إلى جانب العوامل السياسية، تلعب الأخطاء في التقدير دورًا مهمًا في إعاقة المفاوضات. فقد أظهرت بعض المواقف الأمريكية تقديرًا غير دقيق لطبيعة الردود الإيرانية، ما أدى إلى تصعيد غير محسوب في بعض الأحيان.
كما أن البعد التقني للملف النووي يمثل تحديًا إضافيًا، إذ يتطلب خبرات متخصصة لفهم تفاصيله الدقيقة. ويؤدي غياب هذه الخبرات في بعض مراحل التفاوض إلى طرح مطالب غير واقعية أو صعبة التنفيذ، ما يعرقل التقدم ويزيد من فجوة الخلاف.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التقييمات الفنية الدولية التي تشير إلى أن البرنامج النووي الإيراني، رغم تقدمه، لا يمثل تهديدًا وشيكًا كما يُصوَّر أحيانًا، وهو ما يضيف بعدًا جديدًا للنقاش حول طبيعة الحلول الممكنة.

تأثير الأطراف الإقليمية والدولية

لا تقتصر تعقيدات المفاوضات على الطرفين الرئيسيين، بل تمتد إلى شبكة واسعة من الفاعلين الإقليميين والدوليين. فهناك أطراف تدفع نحو التهدئة وتسعى لإنجاح المفاوضات، وأخرى قد ترى في استمرار التوتر فرصة لتحقيق مكاسب سياسية أو استراتيجية.

تلعب بعض الدول دور الوسيط، محاولة تقريب وجهات النظر وتخفيف حدة التصعيد، بينما تمارس قوى أخرى ضغوطًا غير مباشرة تؤثر على مسار التفاوض. كما أن المصالح الاقتصادية العالمية، خاصة المتعلقة بأسواق الطاقة، تضيف بعدًا إضافيًا يزيد من حساسية أي قرار يتم اتخاذه.

هذا التداخل في الأدوار يجعل من الصعب فصل المفاوضات عن السياق الأوسع للصراع، ويجعل أي اتفاق محتمل مرهونًا بتوازنات معقدة تتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران.

في ضوء ما سبق، يتضح أن المفاوضات الأمريكية الإيرانية تواجه مجموعة من التحديات المتشابكة التي تجعل الوصول إلى اتفاق نهائي مهمة معقدة. فبين تضارب المصالح، وتعدد الملفات، وغياب الثقة، وسوء التقدير، تبقى فرص النجاح مرتبطة بقدرة الطرفين على تقديم تنازلات متبادلة وإيجاد أرضية مشتركة توازن بين الاعتبارات السياسية والأمنية.

ورغم صعوبة المشهد، فإن استمرار الحوار يظل الخيار الأقل كلفة مقارنة بالتصعيد، خاصة في ظل التداعيات الخطيرة التي قد تترتب على استمرار الصراع، سواء على مستوى المنطقة أو الاقتصاد العالمي.