من الناقورة إلى واشنطن.. محطات مفصلية في تاريخ التفاوض بين لبنان وإسرائيل
في تطور سياسي لافت يعيد ملف العلاقات اللبنانية الإسرائيلية إلى الواجهة، انطلقت في العاصمة الأمريكية واشنطن أولى جلسات التفاوض المباشر بين مسؤولين من البلدين منذ عقود، في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة على مستوى الانفتاح السياسي بين الجانبين.
ويأتي هذا الاجتماع ليعيد فتح ملف طويل ومعقد من المحادثات والاتفاقيات ومحاولات التسوية التي امتدت لعقود، تراوحت بين الهدن الهشة والاتفاقات غير المكتملة، وصولًا إلى تفاهمات غير مباشرة برعاية دولية.

هذا التحرك الجديد يسلط الضوء على تاريخ ممتد من جولات التفاوض التي شهدتها العلاقة بين لبنان وإسرائيل منذ إعلان قيام الدولة العبرية، مرورًا بمحطات حرب وسلام متعثر، وصولًا إلى محاولات ترسيم الحدود واتفاقات وقف إطلاق النار. وبينما يرى مراقبون أن ما يحدث في واشنطن قد يشكل نقطة تحول محتملة، يبقى التاريخ حافلًا بتجارب سابقة لم تكتمل.
أولًا: هدنة 1949.. بداية هشّة لعلاقة مضطربة
تعود أولى محطات التفاوض بين لبنان وإسرائيل إلى عام 1949، عندما وُقعت اتفاقية هدنة في رأس الناقورة بعد حرب 1948. جاءت هذه الاتفاقية ضمن سلسلة تفاهمات مع دول عربية عدة، إلا أنها وُصفت منذ البداية بالهشة، خاصة بعد انهيار الالتزام بها خلال حرب 1967، ما جعلها إطارًا غير مستقر لتنظيم العلاقة بين الطرفين.
ثانيًا: اجتياح 1982 واتفاق 1983.. سلام لم يكتمل
شهد عام 1982 تحولًا جذريًا مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عملية عسكرية واسعة استمرت آثارها لسنوات طويلة. وفي عام 1983، وُقّع اتفاق بين الجانبين برعاية أمريكية نص على انسحاب القوات الإسرائيلية، إلا أن الاتفاق لم يصمد طويلًا، إذ أُلغي بعد أقل من عام تحت ضغوط سياسية داخلية وإقليمية، ليظل واحدًا من أبرز محاولات السلام غير المكتملة في تاريخ البلدين.
ثالثًا: مفاوضات واشنطن 1991–1993.. مسار بلا نتائج
في أعقاب مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، انطلقت جولات تفاوضية في واشنطن ضمت أطرافًا عربية عدة، من بينها لبنان.

واستمرت الاجتماعات قرابة عامين، لكنها لم تسفر عن أي اتفاق نهائي، رغم أنها شكلت إطارًا مهمًا لإعادة فتح قنوات الحوار بعد سنوات من الصراع.
رابعًا: اتفاق 2022 البحري.. نجاح محدود بوساطة دولية
شهد عام 2022 نقطة تحول مهمة حين توصل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط، بعد وساطة أمريكية مكثفة. ورغم أهمية الاتفاق في إنهاء نزاع طويل حول مناطق الغاز، إلا أنه لم يتضمن أي تواصل مباشر بين الجانبين، بل جرى عبر وسطاء ورسائل منفصلة، ما أبقى العلاقة في إطار غير مباشر.
خامسًا: وقف إطلاق النار 2024.. تهدئة غير مكتملة
في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار أنهى جولة تصعيد عسكري بين إسرائيل وحزب الله، لكنه لم يؤد إلى استقرار كامل على الأرض، إذ استمرت بعض العمليات العسكرية المحدودة في مناطق حدودية، ما أبقى الوضع هشًا ومعقدًا.
سادسًا: 2025.. بداية اتصالات مباشرة محدودة
مع نهاية عام 2025، شهدت المنطقة تطورًا جديدًا تمثل في مشاركة مسؤولين مدنيين وعسكريين من الجانبين في اجتماعات لجنة مراقبة وقف إطلاق النار برعاية دولية. ورغم أن هذه الاجتماعات كانت محدودة النطاق، فإنها مثلت أول تواصل مباشر منذ عقود، ومهدت نظريًا لإمكانية توسيع قنوات الحوار.
سابعًا: واشنطن 2026.. اختبار جديد لمسار السلام
اليوم، ومع انطلاق المحادثات المباشرة في واشنطن، يعود ملف التفاوض بين لبنان وإسرائيل إلى دائرة الضوء من جديد، وسط ترقب دولي واسع.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تمثل بداية مسار جديد، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات تاريخية وسياسية معقدة، تجعل من أي تقدم حقيقي أمرًا غير مضمون.
بين محطات هدنة 1949 ومحاولات التفاوض في واشنطن اليوم، يظهر أن مسار العلاقة بين لبنان وإسرائيل ظل دائمًا بين فرص سلام مؤجل وصراعات متكررة. ومع دخول مرحلة جديدة من الحوار المباشر، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه الجولة ستنجح فيما فشلت فيه الجولات السابقة، أم أنها ستكون حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المفاوضات غير المكتملة.

