مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

من ليبيا إلى إيران.. درس واشنطن في الحروب المعقدة

نشر
الأمصار

تشهد المنطقة في الآونة الأخيرة توترًا إقليميًا غير مسبوق، مع تصاعد حدة المواجهات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ما أعاد إلى الأذهان تجربة ليبيا عام 2011، حين تدخلت واشنطن بشكل مباشر لضرب نظام معمر القذافي، مستفيدة من التفوق الجوي الهائل، لكنها سرعان ما وجدت نفسها عالقة في حرب بلا نهاية واضحة.

وحذر تقرير تحليلي لمجلة فورن بوليسي الأمريكية للباحث كريستوفر إس. تشيفيس، من الاعتماد الكامل على القوة الجوية لإسقاط الأنظمة، موضحًا أن هذا الأسلوب قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويولد فراغًا أمنيًا يعقد الوصول إلى استقرار حقيقي، كما حدث في ليبيا حين انهار النظام دون وجود بديل واضح، ما أدى إلى انتشار الفوضى وظهور ميليشيات مسلحة وسيطرة على مناطق واسعة من البلاد.

ويشير التقرير إلى أن السياسة الأمريكية الحالية تجاه إيران، خاصة خلال الأسابيع الأخيرة، بدأت تتخذ مسارًا مشابهًا لتجربة ليبيا، إذ كثفت واشنطن ضرباتها الجوية على المنشآت العسكرية الإيرانية، بما يفوق ما حدث في ليبيا من حيث حجم العمليات وعدد الأهداف المستهدفة. 

إلا أن الحسم العسكري لم يتحقق بعد، والنظام الإيراني لا يزال صامدًا، ما يضع الإدارة الأمريكية أمام خيارات صعبة تتراوح بين توسيع نطاق الضربات ليشمل منشآت مدنية، وهو ما قد يأتي بنتائج عكسية، أو التوقف عند حدود القوة الجوية، ما قد يترك إيران قادرة على إعادة ترتيب صفوفها والاستمرار في تحدي الضغوط الخارجية.

ويرى التقرير أن الاختلاف الجوهري بين الحالة الليبية والإيرانية يكمن في الداخل المحلي. ففي ليبيا، كانت هناك ثورة مسلحة قائمة بالفعل، ما منح التدخل العسكري الأمريكي نقطة ارتكاز واضحة، بينما إيران تتمتع بنظام سياسي مستقر نسبيًا، قائم على شرعية دينية، ويزيد من قدرة الدولة على الصمود أمام الضغوط العسكرية والاقتصادية، ويحد من احتمالية حدوث انتفاضات مماثلة للثورة الليبية.

وتستعرض المجلة الدروس المستفادة من تجربة ليبيا، حيث بدأت الضربات الجوية المكثفة بعجز النظام عن حماية المدنيين في بنغازي، وحققت واشنطن تفوقًا مبدئيًا في السماء، لكن الحسم على الأرض بقي بعيدًا، إذ تطلبت السيطرة النهائية تدخلًا بريًا واسعًا استمر لعدة أشهر، وانتهى بانهيار الدولة وظهور فوضى مسلحة انتشرت آثارها إلى خارج حدود ليبيا، لا سيما في أوروبا والمحيط الإقليمي.

وفيما يخص إيران، تظل السيناريوهات مفتوحة ومتعددة، وتشمل استمرار الضربات الجوية دون حسم واضح، أو تصعيد في مضيق هرمز عبر استهداف ناقلات النفط والممرات الاستراتيجية، أو تدخل محدود للسيطرة على مواقع استراتيجية، أو حتى إعلان النصر العسكري ثم الانسحاب. 

لكن أي من هذه الخيارات لا يضمن استقرارًا طويل الأمد، وهو ما يعكس تحديًا مستمرًا أمام السياسة الأمريكية في المنطقة.

وبالتالي، تبقى الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة: تحقيق انتصار عسكري محتمل دون القدرة على ضمان سلام دائم ومستقر، فيما درس الماضي الليبي يوضح أن القوة الجوية وحدها نادرًا ما تكفي لإسقاط الأنظمة أو إدارة مرحلة ما بعد الصراع، مما يجعل الأزمة الإيرانية الحالية اختبارًا جديدًا لحدود القوة الأمريكية في مواجهة تحديات استراتيجية كبرى.