د. رائد العزاوي: حكومة السوداني تحاول تجنيب العراق خطر الانزلاق إلى الحرب.. والميليشيات المُسلحة تحاول تُقييد الدولة
أكد الدكتور رائد العزاوي، مدير مركز الأمصار للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الحكومة العراقية لا تزال تمسك بزمام إدارة الدولة، رغم كونها حكومة تصريف أعمال، مشددًا على أنها تحتفظ بأدواتها الأساسية، وفي مقدمتها ملف العلاقات الخارجية الذي تديره بشكل مباشر.
وأوضح العزاوي خلال مداخلة مع قناة "العربية الحدث" أن الحكومة، بقيادة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بذلت جهودًا مكثفة خلال الفترة الماضية لإبعاد العراق عن شبح الانزلاق إلى ساحة صراع مفتوح، سواء عبر تحييد البلاد عن المواجهة العسكرية المحتملة، أو من خلال محاولات احتواء تحركات الفصائل المسلحة داخل الأراضي العراقية، بما يقلل من احتمالات التصعيد.
كما أشار العزاوي إلى أن بغداد اتخذت خطوات دبلوماسية واضحة، تمثلت في استدعاء القائمين بأعمال السفارتين الإيرانية والأمريكية، وتسليمهما احتجاجًا رسميًا على الضربات التي طالت الأراضي العراقية.
ولفت العزاوي إلى أن المسؤولية عن هذه الضربات لا تقتصر على الفصائل المسلحة، بل إن كلًا من الولايات المتحدة وإيران أقرتا بدورهما في بعض العمليات، بما في ذلك حوادث أوقعت ضحايا في إقليم كردستان وفي صفوف الحشد الشعبي.
وبيّن العزاوي أن موقع العراق الجيوسياسي، إلى جانب طبيعة نظامه السياسي القائم على المحاصصة، يفرضان قيودًا كبيرة على قدرة أي رئيس وزراء على التحرك بحرية.
واستشهد العزاوي بمحاولة رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي اعتقال مجموعة من الخارجين عن القانون، وما واجهه من تداعيات، مؤكدًا أن وجود الفصائل المسلحة وأذرعها المختلفة يمثل عائقًا حقيقيًا أمام أي قرارات حاسمة، بل ويشكل خطرًا على العراق والمنطقة بأسرها.
وأضاف العزاوي أن الفصائل التي تندرج تحت ما يسمى بـ"محور المقاومة" قد تتحول في لحظة ما إلى مصدر تهديد حتى لإيران نفسها، خاصة في ظل المتغيرات السياسية والتفاهمات المحتملة التي قد تقدم فيها طهران تنازلات مستقبلية، لاسيما في ملفات الطاقة والاستثمار.
وأوضح العزاوي أن الحديث عن السيطرة على ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز لا يعكس الواقع، كونه ممرًا دوليًا لا يخضع لسيطرة دولة بعينها، مرجحًا أن تسفر أي تسويات قادمة عن إعلان جميع الأطراف تحقيق "انتصار"، سواء الولايات المتحدة أو إسرائيل أو إيران.
وأشار العزاوي إلى أن كيان الدولة الإيرانية لم يكن مهددًا بالانهيار كما يُروّج، معتبرًا أن مخاوف بعض الجماعات المسلحة من ذلك مبالغ فيها، وأن اندماج هذه القوى في العملية السياسية وتسليم سلاحها للدولة يمكن أن يضمن لها البقاء ضمن إطار شرعي ومنظم.
وفيما يتعلق بأداء الحكومة العراقية، شدد العزاوي على أن التحديات التي تواجهها لا ترتبط بشخص رئيس الوزراء، بل بضعف بنية الدولة نفسها، وأكد أن أي صدام مباشر بين الدولة والفصائل المسلحة قد يقود إلى "بحور من الدماء" بين العراقيين، وهو ما يدركه كل من السوداني وسلفه الكاظمي، الأمر الذي دفعهما إلى تجنب المواجهة المفتوحة.
كما لفت العزاوي إلى أن الحكومة العراقية أعلنت بوضوح أن حيازة السلاح خارج إطار الدولة أمر غير قانوني، بالتوازي مع تأكيد أعلى سلطة قضائية أن استهداف المقار الدبلوماسية يعد جريمة يعاقب عليها وفق قانون مكافحة الإرهاب، ورغم ذلك، تبقى المشكلة قائمة بسبب تغلغل بعض الجماعات المسلحة في مفاصل الدولة، أو محاولتها استغلال غطاء الحشد الشعبي لتنفيذ عملياتها، في وقت يرفض فيه الحشد أن يكون أداة بيد أي طرف خارجي.
وأوضح العزاوي أن هذه الجماعات تنظر إلى نفسها كجزء من محور إقليمي أوسع يضم تنظيمات مثل حزب الله والحوثيين وحماس، وهو محور لا يعترف بالحدود الجغرافية أو الهويات الوطنية، بل يقوم على فكرة عابرة للدول، وهي الإشكالية ذاتها التي يعاني منها لبنان، وأكد أن هذا التصور يجعل من الصعب احتواء هذه الجماعات محليًا، ما يستدعي جهودًا داخلية أكبر مدعومة بتعاون دولي.
واختتم العزاوي تصريحه بالتأكيد بأن الحروب التي تخوضها الدول الكبرى من أجل مصالحها لا تنتهي بخاسر واضح من أطرافها الرئيسية، لكن الخاسر الأكبر في هذا المشهد يظل الشعب العراقي، الذي دفع ثمنًا باهظًا من دماء أبنائه، فضلًا عن تضرر هيبة الدولة ومصالحها الدولية، خاصة مع تكرار استهداف البعثات الدبلوماسية، وهو ما يضع العراق في مواقف بالغة الحرج على الساحة الدولية.