ماذا تبقّى من ترسانة حزب الله العسكرية؟
تُثير التطورات الميدانية الأخيرة في جنوب لبنان وشمال إسرائيل تساؤلات متزايدة حول الحجم الحقيقي للقدرات العسكرية التي لا يزال يمتلكها «حزب الله»، رغم سنوات من الاستنزاف العسكري والضربات الجوية المكثفة.
فمع استمرار إطلاق الصواريخ بوتيرة لافتة، عاد الجدل حول مدى تآكل ترسانة الحزب، أو على العكس، نجاحه في الحفاظ على جزء كبير منها وإعادة توظيفها في سياق الصراع الحالي.
تقديرات متباينة حول حجم الترسانة
منذ اندلاع المواجهات الواسعة، رجّحت تقديرات إسرائيلية أن «حزب الله» فقد نسبة كبيرة من مخزونه الصاروخي نتيجة الغارات المتواصلة التي استهدفت مستودعاته ومراكزه العسكرية. إلا أن الوقائع الميدانية، خاصة استمرار إطلاق الصواريخ، تشير إلى أن هذه التقديرات قد تكون أقل دقة مما كان يُعتقد.
وبحسب تحليلات خبراء عسكريين، فإن الحزب كان يمتلك قبل الحرب ما يقارب 100 ألف صاروخ، وإذا صحّ أن ما بين 50 و70 في المائة منها قد تم تدميره، فهذا يعني بقاء نحو 30 ألف صاروخ في حوزته. هذا الرقم، رغم انخفاضه مقارنة بالمخزون الأصلي، لا يزال كافيًا لإبقاء جبهة القتال مشتعلة وفرض معادلات ردع جزئية.
مواقع التخزين: شبكة معقدة من السرية
أحد أبرز العوامل التي ساهمت في بقاء هذه الترسانة هو طبيعة انتشارها الجغرافي، واعتماد الحزب على بنية تحتية معقدة من الأنفاق والمنشآت السرية. فقد عمل على مدى سنوات طويلة على بناء شبكة واسعة من المخابئ تحت الأرض، سواء في جنوب لبنان أو في مناطق البقاع والسلسلة الشرقية.
هذه المنشآت لم تكن سهلة الاستهداف، إذ إن الضربات الجوية غالبًا ما ركزت على المداخل أو المواقع المكشوفة، دون القدرة على تدمير الشبكة بالكامل. وهو ما يعني أن كميات من الأسلحة والذخائر لا تزال محفوظة في أماكن يصعب الوصول إليها، حتى مع التفوق الجوي الإسرائيلي.
كما أن جزءًا من هذه الترسانة مخزّن داخل مناطق مدنية أو منشآت خاصة، ما يزيد من تعقيد استهدافها ويطرح تحديات سياسية وعسكرية أمام أي عمليات واسعة لتدميرها.
استراتيجية التمويه والبقاء
لم يقتصر الأمر على التخزين فقط، بل اعتمد «حزب الله» أيضًا على استراتيجيات تمويه متعددة، تشمل تقليل الحركة، وإبقاء العناصر في مناطقهم الأصلية، وتجنب الأنماط التقليدية التي يمكن رصدها استخباراتيًا.
وتشير المعطيات إلى أن العديد من المقاتلين لم يغادروا بلداتهم، بل احتفظوا بأسلحتهم داخل منشآت محلية، ما ساهم في تقليل فرص اكتشافها. كما أن غياب التنسيق الكامل مع الجيش اللبناني في بعض المناطق، خصوصًا جنوب نهر الليطاني، أدى إلى بقاء مواقع عديدة خارج نطاق التفتيش والمداهمة.
هذه الاستراتيجية ساعدت الحزب على الحفاظ على قدراته، رغم الضغوط العسكرية الكبيرة، وأتاحت له الاستمرار في تنفيذ عمليات إطلاق الصواريخ بشكل متقطع ومنظم.
أنواع الأسلحة المستخدمة
تُظهر طبيعة الصواريخ التي يتم إطلاقها أن الحزب يعتمد بشكل أساسي على صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، مثل “كاتيوشا” و”غراد”، وهي أسلحة متوفرة بكميات كبيرة وسهلة الاستخدام نسبيًا.
في المقابل، يبدو أن الصواريخ بعيدة المدى تُستخدم بشكل محدود، ما يشير إلى محاولة الحفاظ عليها كأوراق استراتيجية تُستخدم في مراحل متقدمة من الصراع. وقد سُجلت بالفعل بعض الضربات التي وصلت إلى عمق يصل إلى 150 كيلومترًا داخل إسرائيل، لكنها تظل محدودة مقارنة بحجم المخزون المفترض.
إلى جانب ذلك، لا يزال الحزب يمتلك قدرات في مجال الصواريخ الموجهة المضادة للدروع، مثل “كورنيت”، فضلًا عن الطائرات المسيّرة، التي أصبحت عنصرًا مهمًا في المعارك الحديثة.
خطوط الإمداد: بين التراجع والاستمرارية
تعرّضت خطوط الإمداد التقليدية للحزب، خاصة عبر سوريا، لضربات متكررة خلال السنوات الماضية، ما أدى إلى تراجع تدفق الأسلحة بشكل ملحوظ. إلا أن ذلك لا يعني انقطاع الإمدادات بالكامل، إذ تشير بعض التقديرات إلى استمرار عمليات التهريب، وإن بوتيرة أقل.
كما أن تراكم الأسلحة خلال الفترة الممتدة من عام 2006 حتى 2023 لعب دورًا حاسمًا في تأمين مخزون استراتيجي كبير، سمح للحزب بالصمود لفترة طويلة دون الحاجة إلى إمدادات مستمرة.
القدرات البشرية والتنظيمية
لا تقتصر قوة «حزب الله» على ترسانته العسكرية، بل تشمل أيضًا بنيته التنظيمية وقدرته على إعادة ترتيب صفوفه. فعلى الرغم من الضربات التي استهدفت قياداته، نجح الحزب في ملء العديد من الشواغر، مستفيدًا من خبرته الطويلة في إدارة الصراعات.
كما أن وجود عناصره داخل البيئة المحلية، وارتباطه بمجتمعاته الحاضنة، سهل عملية التجنيد والتعبئة، وساعد في الحفاظ على استمرارية العمليات العسكرية.
دور الجغرافيا في المعركة
تلعب الجغرافيا دورًا حاسمًا في هذه المواجهة، إذ يوفر الجنوب اللبناني تضاريس معقدة تتيح فرصًا أكبر للاختباء والمناورة. كما أن توزيع مواقع إطلاق الصواريخ بين مناطق الجنوب والبقاع وشمال الليطاني يعقّد مهمة تحديد مصادر النيران واستهدافها.
ويُلاحظ أن القسم الأكبر من عمليات الإطلاق يتم من مناطق خارج الجنوب المباشر، ما يشير إلى إعادة توزيع القدرات لتقليل الخسائر وضمان الاستمرارية.
انعكاسات على مسار الحرب
استمرار «حزب الله» في إطلاق الصواريخ، رغم حجم الضربات التي تعرض لها، يعكس قدرة على التكيف مع الظروف الميدانية، ويؤكد أن الحسم العسكري الكامل لا يزال بعيد المنال.
فحتى مع تراجع حجم الترسانة، فإن الكمية المتبقية كافية لإبقاء الضغط قائمًا، سواء على المستوى العسكري أو النفسي. كما أن هذا الواقع يفرض على إسرائيل حسابات أكثر تعقيدًا، خاصة فيما يتعلق بتوسيع العمليات البرية أو استهداف البنية التحتية بشكل أوسع.
تكشف المعطيات الحالية أن «حزب الله» لم يفقد قدرته العسكرية بالكامل، بل لا يزال يحتفظ بجزء مهم من ترسانته، مدعومًا بشبكة معقدة من البنية التحتية والاستراتيجيات الدفاعية.
ورغم تراجع قدراته مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، فإن ما تبقى منها يكفي لإطالة أمد الصراع وفرض معادلات ردع نسبية. وفي ظل غياب حل سياسي شامل، يبدو أن هذه القدرات ستظل عاملًا رئيسيًا في تحديد مسار المواجهة في المرحلة المقبلة.